يعتبر الكتاب أحد عوامل التغيير الاجتماعي الأساسية في نقل المجتمعات من مواقع التأخر إلى مصاف الترقي والنهضة الحديثة، وليس أدل عن ذلك من ثورة الميجي في اليابان في أواخر القرن التاسع عشر سنة 1868، تلكم الثورة التي غيرت وجه اليابان الحديثة، ونقلتها من دولة قديمة على الطراز الاقطاعي إلى دولة صناعية قوية تحتذي بالغرب الأوروبي المتقدم، معتمدة في ذلك على عاملي التعليم والتربية الحديثة، وفي سياق التأليف الكتبي الحر، والاختراعات التكنولوجية الحديثة..
وقد انتبه المفكر والفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري مبكرا بعد استقلال المغرب إلى أهمية التربية والتعليم والتأليف الجاد للكتب والكتابات الملتزمة في إحداث التقدم والنهوض بالاوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مضمنا هذه الرؤية الحاذقة في مؤلفيه الذائعي الصيت ” أضواء على مشكل التعليم في المغرب”، وفي كتاب ” من أجل رؤية تقدمية لمشكلاتنا الفكرية والتربوية “، إضافة إلى سلسلة الكتب الصغيرة “مقالات” التي تناول فيها قيمة الكتاب، وأهمية التربية والتعليم الحديث في تحقيق نهضة الأمم والشعوب وتطورها .
تقارير pnud التي تقدمها منظمة الأمم المتحدة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، من أجل مواجهة التخلف وتحقيق التنمية الإنسانية المستدامة، ضمن مؤشراتها المتعلقة بالصحة العمومية الجيدة، والحق في الشغل الذي يرتقي بعيش الانسان وكرامته ويضمن له بالتالي حياة وعمرا مديد، فإن مؤشراته خصصت حيزا مهما للقراءة والتربية والتعليم، بل اعتبرت هذه الأخيرة أحد العوامل الرئيسة في مناهضة الفساد في القارة الافريقية وبناء أسس الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة السياسية، بناء على المحاسبة والشفافية والنزاهة والرؤية الاستراتيجية ..
وقد نجح عالم الاجتماع البرازيلي باولو فاليري المثقف والمؤلف الملتزم الذي ذاق مرارة الاضطهاد والسجن في بلده خلال السنوات المظلمة التي عاشتها جمهورية البرازيل، لتعترف البرازيل الحديثة أخيرا بجهود هذا المفكر الذي يعتبر أحد أبنائها البررة، وتجعل صاحب كتاب ” تعليم المقهورين “، وزيرا للتربية والتعليم في البرازيل سنة 1988.
لذلك تعتبر المعايير الدولية الحديثة في مجال حقوق الانسان، ومنظومتها المؤسسية، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو للتربية والعلوم والثقافة، القراءة الحرة والتربية والتعليم، شروطا لا مندوحة عنها في سبيل التغيير والتقدم الأممي النافع، مدافعة في هذا الصدد عن التسامح، والحق في التعدد والاختلاف، واعتبارها الكتاب أحد العوامل الرئيسة في تحقيق التنمية والتقدم .
وقد صدق فولتير صاحب الكتاب الخالد ” قول في التسامح “، الذي ترجمه الاستاذ سعيد بنكراد؛ في مقولته: (مختلف معك؛ ولكني مستعد للموت دفاعا عن رأيك وحريتك الفكرية)، وفولتير أحد اعمدة فلسفة الانوار الحديثة، التي شكلت المرجعية العلمية لأسس التفكير الحقوقي الحديث …
لذلك، نأمل أن تكون الدورة 31 للمعرض الدولي للكتاب بالرباط، مناسبة للنقاش الجاد وإنتاج الافكار، وبناء التفكير العقلاني الحديث القائم على النقد البناء، وصياغة الملاحظات والاقتراحات الرصينة،خلال مختلف الندوات والورشات المنعقدة بالمعرض.
وليس مجرد عرض واستعراض للمنتجات والإنتاجات الفكرية والكتبية من قبل مختلف دور النشر بالمعرض، رغم أهميتها وتقديرنا لهذه العملية الرفيعة، فالكتاب والأفكار تعد المدخل القويم نحو التنمية الشاملة وتحقيق الديمقراطية وحقوق الانسان .
استوحيت هذه الأفكار من على متن قطار طنجة/ الرباط الفائق السرعة، وأنا بصدد التوجه للحضور والمشاركة في المعرض الدولي للكتاب بالرباط ..
** محمد المرابطي













