محمد الزياني يرصد بعض الظواهر المنقوشة في الذاكرة الجماعية لساكنة الحسيمة:
الحلقة 5 :
خامسًا: حين تتحد الأطراف المتنازعة لمواجهة “الخصم الخارجي”:
رغم حدّة الصراع، كما أسلفنا، بين أبناء هذه الأحياء، كانت تنشأ بين الفينة والأخرى لحظات تضامن لافتة، كلما تعلق الأمر بمواجهة “الخصم الخارجي”، المتمثل في بعض أفراد البحرية الملكية، الذين كنا نطلق عليهم اسم “إقشليون”، ولا سيما أولئك الذين دأبوا على سلوك الاستفزاز وإلحاق الأذى بالساكنة (وللتاريخ، نسجل أن مثل هذه الاعتداءات قد انتفت رسميًا على يد الكولونيل الحاج عمر، ابن منطقة فرخانة، أطال الله عمره، والذي ستظل بصمته راسخة في سجل المدينة، لما أسداه لها ولأبنائها، من الفئات الفقيرة، من خدمات جليلة).
في مثل هذه المواقف، كان أبناء “باريو” و“السوق” و” المدينة ” يتوحدون لمواجهة هؤلاء، في معارك ضارية غير متكافئة عدة وعددا ،وغالبًا ما برز في هذه المواجهات كل من المرحوم محمد الگزار، ومالك العوامية، وأحمذ نمازوق، ومحمد الحكة وعبد الحق وعلي نبوليخية وشعيب نبيكينيو …إلى جانب أسماء أخرى ذُكرت في الحلقة الماضية .. ، ممن وجدوا أنفسهم في صدام مباشر مع هذه العناصر، ومع دورياتهم (patrouilles) المكلفة بمراقبة زملاءهم في هوامش وأطراف المدينة.
ويشهد التاريخ المحلي على معارك بارزة من هذا الطراز:
إحداها وقعت على رصيف “مقهى الدروج”، مقابل مخبزة “مالولو” على مرمى حجر من فضاء ” ميرامار”، حيث واجه المرحوم محمد الگزار، رفقة ابن أخيه أحميدوش نشعيب، أكثر من عشرة أفراد من “إقشليون”، الذين ما لبثوا أن ولوا الأدبارا مهزومين خاسئين بعد عراك عنيف أقرب إلى المشاهد السينمائية.
وأخرى، جرت أطوارها على حافة رصيف رسو البواخر بالميناء، وكان بطلاها هذه المرة عبد الحق الغلبزوري من “بريو” وصديقه من وسط المدينة، الملقب بـ“هولند” رحمه الله( صاحب مقهى التي يفصل بينها وباشوية المدينة شارع عمومي) وهو نفسه من روى لي تفاصيل الواقعة قائلاً: ” كان عبد الحق يسدد اللكمات القوية لهؤلاء ” إقشليون” ضمن فرقة (patrouilles) ، فيما كنتُ أتمم المهمة بإلقائهم في البحر، حتى بدا سطحه مغطى بقبعاتهم البيضاء، كأنها طيور نورس”؛ في إشارة إلى أن الواقعة جرت في فصل الصيف. ناهيك عن معارك أخرى كانت تنشب في لجة الليل وسط الغابة بالطريق المؤدية إلى ” كا مننتينا نميناضور” والتي كانت تُنسج حولها ساطير مرعبة ..(كقطع ثدي إحدى بائعات الهوى التي ضُبطت مع أحد عناصر “إقشليون ” وغيرها كثير … !!!
** ذ : محمد الزياني













