يشكل استعمال المال السياسي أحد أبرز التحديات التي تهدد نزاهة العملية الانتخابية، خاصة في الانتخابات التشريعية التي يُفترض أن تمثل الإرادة الشعبية الحقيقية، غير ان توظيف المال بطرق غير مشروعة يحول هذا الاستحقاق الديمقراطي إلى ساحة منافسة غير متكافئة، حيث تصبح القدرة المالية عاملا حاسما في تحديد النتائج بدل الكفاءة والبرامج السياسية.
ومع قرب كل استحقاق انتخابي، تتحرك شبكات النفوذ لرسم ملامح الخريطة السياسية مسبقا، عبر تفاهمات مالية ومصلحية، لتوجيه النتائج بشكل غير مباشر، وهي تسعى جاهدة لضمان توفير تسهيلات أو التغاضي عن الخروقات الانتخابية، ليتم ضرب مبدأ النزاهة وتكافؤ الفرص في العمق، وتفقد الثقة في المؤسسات وفي الانتخابات.
إن تأثير المال السياسي لا يقتصر على شراء أصوات الناخبين فحسب، بل يمتد ليشمل الفاعلين المؤثرين في توجيه الترشيحات وصناعة اللوائح الانتخابية داخل الأحزاب السياسية، حيث يتحول الترشيح إلى صفقة مالية تمنح فيه التزكية لمن يدفع أكثر، أو يمتلك شبكة علاقات أقوى، على حساب الكفاءة والنزاهة، أو عن طريق دعم مرشحين ضعفاء يفتقرون إلى الاستقلالية، ليسهل التحكم في قراراتهم مستقبلا، وهو ما يؤدي إلى برلمان ضعيف لا يستجيب لتطلعات المواطنين، بقدر ما يخدم مصالح لوبيات المستثمرين ورجال الأعمال.
أمام هذا الواقع، يصبح المقعد البرلماني أقرب إلى استثمار مالي، يسعى من خلاله بعض المرشحين إلى استرجاع ما أنفقوه بعد الفوز، الأمر الذي يفتح الباب أمام تفشي المزيد من ممارسات الفساد داخل المجتمع، باستغلال الصفقات وتبديد المال العمومي، وهذا ما يعكسه متابعة حوالي 34 برلمانيا أمام القضاء في قضايا فساد، يتصدرهم حزب الأحرار الذي يقود الحكومة الحالية.
فالتساهل مع هذه الظاهرة، يؤدي إلى ترسيخ ممارسات غير أخلاقية، وتوسيع دائرة الفساد في المجتمع، كما يدفع ذلك الكفاءات والمناضلين داخل الأحزاب إلى العزوف عن الترشح، لعدم قدرتهم على مجاراة هذه الأساليب، في مقابل تراجع ثقة المواطنين في جدوى التصويت، وانخفاض نسبة المشاركة السياسية.
إن مواجهة المال السياسي تقتضي إرادة سياسية حقيقية، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، إلى جانب ترسيخ ثقافة النزاهة داخل الأحزاب السياسية وفي المجتمع ككل، كما أن يقضة ووعي الناخبين يبقى عنصري حاسما في التصدي لهذه الظاهرة، لأن الديمقراطية الحقيقية لا تبنى بالمال الحرام، بل بالثقة والكفاءة والالتزام بخدمة الصالح العام.
ذة: سعاد شيخي












