إذا ما أردنا الترحُّم على روح عبد الوهاب الدكالي، هل نزور قبره الذي لم يشهد حفره بعينيه أم نزور المتحف الذي قضى سنوات طويلة في جمع تحفه؟
إذا كان علي شخصيًّا أن أختار، سأختار بالأولى زيارة المتحف. لماذا؟
شعرت مرّةً بالامتعاض الشديد من صورة نشرها أحد تلامذة مفكر مغربي مرموق وهو جالسٌ فوق قبره، ثمَّ غلّق على ذلك في نبرةٍ حزينةٍ: هذه نهاية المفكرين؛ نهاية الحياة داخل القبر !”
صحيح أنّها نهاية الحياة، لكنّها ليست نهاية المفكّر. الشخص المدفون في القبر ليس المفكّر، بل هو الجسد؛ بما أنَّ المفكّرَ إنسان مبثوثٌ في أعماله الفكريّة.
ما أقوله ليس جديدًا. يذكر ابن رشد كيف أنَّ النفس الناطقة لا تفنى بعد موت الجسد، بل تبقى subsiste بعد فساد الجسد، على خلاف ما يقوله أرسطو بخصوص فساد النفس الناطقة مع فساد الجسد. يرى المؤرّخون أنَّ الاختلاف الموجود بين أرسطو وابن رشد بخصوص بقاء النفس النّاطقة بعد الموت يعود إلى أنَّ النفس العاقلة لا تفنى لأنّها تخضع للحساب والعقاب، بما أنَّ البعث هو بعث الأرواح وليس بعث الأجسام.
ذهب دعاة المشائية كذلك في نظرية النيوطيقا noétique إلى أنَّ العقل لا يفنى، بل تلتقي العقول كلها بعد الموت في العقل الفعال، أو في عقل آخر لا يفنى، حيث تلتقي الحقائق فيما بينها. صحيح أنَّ العالم المادي يفنى، لكنَّ الحقائق لا تفنى لأنّها ليست أشياء مادّية تنتمي إلى العالم الحسّي.
هذه كانت إحدى طرق القدماء لإنقاذ الفكر من دفنه في القبور، بما أنَّ شرف الفكر لا يقاس مع قابليّة الجسد للفساد.
لكنَّ المحدثين حاولوا بدورهم أن يدافعوا عن بقاء الفكر بعد تَحلُّل الجسد.
كانت إحدى مدارس علم الحياة في فرنسا، وعلى الخصوص بيشا Bichat، فيما أذكر من بحث الإجازة الذي أنجزته في الموضوع سنة 1983، قد ميّزت الحياة عن الموت بالقول:
الحياة مقاومة قوانين الطبيعة؛ بما أنَّ جسدي يبذل كامل الجهد للحفاظ على درجة حرارة مستقرّة رغم تغيُّر درجة حرارة البيئة المحيطة بي. أمَّا الموت فهو نهاية المقاومة، إعلان الاستسلام لقوانين الطبيعة ونهاية الاستثناء الذي يطبع قواعد الحياة في مواجهة قوانين المادة الصماء.
هذا الاستثناء الذي يميّز الحياة عن السببيّة الطبيعيّة، هو الاستثناء الذي يطبع الفكر المبدع في مقابل الهابيتوس والعادة والاجترار والسطحيّة.
تشترك النفس الناطقة مع النفس الغاذية والشهوية والحاسّة في قدرة هذه الأنفس مجتمعة على مقاومة العالم الطبيعي، لكنَّ النفس العاقلة هي مرحلة عليا في مستويات تطور علاقة الصورة بالهيولى والقدرة على تكوين الصور وعلى المطابقة بين العاقل والعقل والمعقول.
كلُّ هذا الكلام يخلق شهية البحث في خاصّة تميّز الحياة الإنسانيّة وهي انتقالها من مقاومة قوانين الطبيعة إلى البحث عن مقاومة الابتذال وتشجيع ملكة الخلق والإبداع.
وعليه، كلُّ هذه حجج تجعلني أفضل زيارة متحف عبد الوهاب الدكالي، لأنّه حاول من خلاله أن ينتصر لاستمرار الإبداع في الوجود بعد أن اختفى الجسد تحت التراب.
لا شكَّ في أنَّ المتاحف والمكتبات والمدارس هي المكان الذي يجمع فيه العقل الفعال كلَّ العقول وألوان الخيال وأشكال التعبير عن الفكر والجمال. ونعلم لماذا ظهرت فكرة المتاحف في العصر الحديث، لأنَّ العقل الفعال نزل من العالم المفارق إلى عتبة الإدراك أمام الحواسّ. يبقى الفكر ويغيب الجسد.
لكن ! إذا ما اختفى الجسد وتمَّ تبديد ما تركه المبدعون والمبدعات من آثار بعد موتهم، يعني ذلك هلاك الفكر بعد موت الجسد وغلبة ثقافة الابتذال التي تزن الفكر بميزان سعة القبر “شبر وأربعة أصابع!” وهذه إهانة للمبدعين ونهاية الفكر.
عزالعرب لحكيم بناني














