تعتبر مدينة الحسيمة، بجغرافيتها الساحرة وتاريخها العريق، واحدة من أبرز لآلئ الشمال المغربي. لكن وراء هذه الجاذبية الطبيعية، تكمن أسئلة كبرى حول مسارها التنموي وكيفية تحويل مؤهلاتها إلى قاطرة اقتصادية مستدامة. في هذا السياق، يأتي العمل البحثي والميداني للباحث عبد المالك بوغابة ليميط اللثام عن “ذاكرة السياحة بالحسيمة”، محاولاً تفكيك شفرات التنمية بجهة الريف، ومقدماً رؤية نقدية وعملية لرهانات المستقبل في شمال المملكة.
1. الذاكرة السياحية للحسيمة: من العفوية إلى الهيكلة
ينطلق الباحث عبد المالك بوغابة من نبش تاريخي في ذاكرة المنطقة، ليؤكد أن السياحة في الحسيمة لم تكن وليدة اليوم، بل مرت بمراحل تداخل فيها التاريخي بالسياسي والاجتماعي:
الحقبة الاستعمارية وما بعدها: كيف تشكلت النواة الأولى للسياحة في شواطئ مثل “كيمادو” و”بئيس باليستانا” (كالا بونيطا)، وكيف كانت المدينة ملاذاً سياحياً لشرائح معينة.
التحول التدريجي: انتقال المدينة من نمط سياحي موسمي وعفوي، يعتمد أساساً على أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج (MRE)، إلى محاولة صياغة هوية سياحية وطنية ودولية واضحة المعالم.
2. تفكيك رهانات التنمية: أين يكمن الخلل؟
من خلال تحليله السوسيواقتصادي، لا يكتفي بوغابة برصد الجماليات، بل يضع إصبعه على مكامن الخلل التي تعيق إقلاعاً تنموياً حقيقياً في الشمال، ويركز على ثلاثة رهانات كبرى:
موسمية خانقة: تتركز الحركة السياحية بالحسيمة في شهرين أو ثلاثة أشهر (فصل الصيف)، مما يخلق ركوداً اقتصادياً بقية السنة ويجعل الاستثمارات السياحية غير ذات مردودية مستمرة.
معضلة البنية التحتية والربط: رغم القفزة النوعية التي شهدتها المنطقة بفضل المشاريع التنموية الكبرى وطريق المدار الساحلي، يرى الباحث أن تحديات الربط الجوي والبحري والبري لا تزال تحتاج إلى تعزيز لفك العزلة بشكل كامل وتسهيل وصول السياح الأجانب.
غياب التنوع في العرض: الاعتماد المفرط على “سياحة الشاطئ” وإغفال السياحة الثقافية، البيئية (متنزه الحسيمة الوطني)، وسياحة المؤتمرات.
3. خارطة الطريق نحو سياحة مستدامة: بدائل بوغابة
ليست الغاية من تفكيك الذاكرة البكاء على الأطلال، بل استشراف المستقبل. يقدم الباحث عبد المالك بوغابة حزمة من التوصيات التي يراها كفيلة برفع رهانات التنمية في شمال المملكة:
تثمين التراث المادي واللامادي: ربط السياحة بالهوية التاريخية للريف (تاريخ المقاومة، الصناعة التقليدية، والمطبخ المحلي) لتقديم منتج سياحي ذي قيمة مضافة.
تشجيع السياحة القروية والبيئية: خلق مسارات سياحية في جبال الريف المحيطة بالحسيمة لدمج الساكنة المحلية في عجلة التنمية وتمديد الموسم السياحي طيلة فصول السنة.
الاستثمار في الرأسمال البشري: تكوين وتأهيل شباب المنطقة في مهن الفندقة، الإرشاد السياحي، والتدبير الرقمي للمشاريع السياحية لضمان جودة الخدمات.
خلاصة:
إن قراءة الباحث عبد المالك بوغابة لـ “ذاكرة السياحة بالحسيمة” هي بمثابة مرآة تعكس واقع التنمية في شمال المغرب. وتؤكد أن الإقلاع الحقيقي للحسيمة لا يتطلب فقط تسويق شواطئها الذهبية، بل يستلزم رؤية مندمجة تجمع بين استغلال الذاكرة التاريخية، وحسن تدبير المؤهلات الطبيعية، وتحفيز الاستثمار الذكي والمستدام.
**ذ : عبد المالك بوغابة













