لو سألنا إنساناً معاصراً عن تعريف “الجنون”، لأجاب فوراً بأنه خلل بيولوجي أو مرض نفسي يستدعي التدخل الطبي والعلاج في مصحات متخصصة. يبدو هذا التصور بديهياً ونتيجة طبيعية لتقدم العلوم الطبية، لكن الحفر الفلسفي والتاريخي يطرح سؤالاً صادماً: هل كان الجنون يُفهم دائماً بهذه الطريقة، أم أن “المرض النفسي” هو اختراع تاريخي واجتماعي له وظائف خفية؟
في كتابه الرائد “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، أجرى الفيلسوف “ميشيل فوكو” حفرية تاريخية لتتبع كيف تعاملت الحضارة الغربية مع مفهوم “اللا-عقل”. يجادل فوكو بأن الجنون ليس حقيقة بيولوجية ثابتة خارجة عن التاريخ، بل هو حالة تم بناؤها وتشكيلها عبر حقب زمنية مختلفة لتلبية احتياجات ثقافية واجتماعية محددة.
يستعرض فوكو كيف كان “المجنون” في عصر النهضة (القرن السادس عشر) يعتبر شخصاً يمتلك حكمة غامضة أو بصيرة تتجاوز العقل، وكان يسمح له بالتجول بحرية في المجتمع، وغالباً ما كان يتم تصويره في الفنون والأدب كحامل لسر من أسرار الوجود. ولكن، مع بزوغ عصر التنوير وتأسيس العقلانية في العصر الكلاسيكي (القرن السابع عشر)، حدث ما يسميه فوكو بـ”الاحتجاز العظيم” (Le Grand Renfermement).
بحسب التحليل الفوكوي، عندما قرر العصر الحديث أن “العقل” هو معيار الوجود والإنتاجية، توجب إقصاء كل من لا يخضع لهذا المعيار. تم بناء المصحات الكبرى (التي كانت في الأصل مستعمرات للجذام) ليُزج فيها ليس فقط بالمجانين، بل بالعاطلين، والمشردين. أصبح الجنون مرادفاً لـ”الكسل” والخروج عن النظام الأخلاقي والاقتصادي للمجتمع البرجوازي الحديث.
وفي القرن التاسع عشر، مع نشأة الطب النفسي الحديث، يرى فوكو أن الطبيب لم يأتِ لتحرير المجنون، بل لاستبدال القيود الحديدية بقيود “عِلمية وأخلاقية”. تم تحويل الجنون من “خطيئة اجتماعية” إلى “مرض طبي”، وبذلك اكتسبت السلطة حق الإشراف الكامل على العقل البشري تحت غطاء العلم والعلاج الطبي، مما جعل إقصاء “المختلفين” يبدو عملاً إنسانياً ومحايداً.
**د : سالم يفوت













