والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
هكذا نطق زهير بن أبي سلمى. ولذلك، قد يبدو أنَّ الأهم في البداية ألا نعرف الظالمين وهم كثر[ بل أن نعرف من هو المظلوم. وما دمنا نتكلم في سياق الحرب لن يكون المظلوم من فئة أخرى غير فئة ضحايا الحروب من المدنيين. وقد تتّسع دائرة عواقب الحرب لتشمل انقطاع إمدادات الطعام والمحروقات والسكن عن فئات ودول لا علاقة لها بتلك الحرب.
لكنّه من الجانب الأخلاقي، لا ينبغي التنديد بالحرب لأسباب مصلحية: ماذا أربح وماذا أخسر منها! بل يجب أن أميّز بوضوح بين الظالم والمظلوم؛ أكيد أنَّه يجب التنديد بالظالم، وهو كلُّ من يستعمل قانون القوة، ولا يلجأ إلى رخصة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة ولا يلتزم بقواعد الحرب العادلة ويهاجم دول الجوار.
لكن هل هذا الظلم جديد؟
كثير من الناس يشكّكون في مصداقيّة الأمم المتّحدة التي تصمت أمام حروب لم ترخصها وفق البند السابع، يشكّكون في مدى قدرة حقوق الإنسان على ردع الغطرسة.
لكنّني أعود إلى زهير بن أبي سلمى:
عندما يكون الإنسان (ذكَرًا وأنثى) شابًّا وقويًّا ونافذًا وثريًّا لا يعبأ بحقوق الإنسان، وقد لا يلتزم بها إلا خوفًا وطمعًا. أمّا إذا ما استطاع تجاهلها، فهو يملك الحقَّ باسم القوّة.
وعندما يشيخ هذا الإنسان ويفقد البأس والمَدد، يستذر عطف حقوق الإنسان في لحظة ضعف، ونقول أكرموا عزيز قوم ذُلَّ !
هذه هي مفارقة الحياة أمام تحديات الحقوق. لا ندافع عن الحقوق في مرحلة الشباب، لأنّنا ننتزعها بالقوة؛ ولا نستطيع انتزاع الحقوق في مرحلة الضعف، إذا لم يَمُنَّ بها القويُّ علينا. المفارقة هي أنَّ من يتبنّى خطاب حقوق الإنسان في لحظة ضعف يعتقد أنه يستقوي بها على القوي؛ وقد يتبنى القوي خطاب حقوق الإنسان ويصادق عليها، دون أن تترجم إلا بصورة جزئية وفضفاضة إلى واقع.
هذه هي المفارقة: لا يبالي القوي بالحقوق، ما دام أنه قوي، وبما أنَّ المصادقة على الحقوق لا تتمّ إلا به؛ ولا أمل للضعيف في الاستفادة من الحقوق إلا إذا تنعّم بها القوي، أو إذا ما تحالف مع ضعفاء من جنسه وأصبح أقوى من القوي.
وعليه، يعلو قانون القوة ولا يعلى عليه، ما عدا في زمان حكّام أنبياء وصلحاء وحكماء وعلماء. هي فترات الحضارة التي لا تدوم، قبل أن يعود أحفاد هاجوج وماجوج، ليغيثوا في الأرض خرابًا.
النتيجة، الحرب هي الأصل في وجوهها المختلفة (الباردة والعسكرية والاقتصادية والنفسية والحضارية والدينية). أمّا المواثيق الدّوليّة والقانون الدولي فهي مبادئ تحكم الأمم في مراحل سلم لا تحتاج إليها (حين يظهر حكام وسياسيون عقلاء ولا يجدون مانعا من تطبيقها)؛ وقد تصبح هذه المواثيق عبثًا في وقت الشدّة حينما نكون في أمسِّ الحاجة إليها، ما دامت تفتقر إلى القوة التي تفرض تطبيقها.
وعليه، قد نتبنى خطابا مضادًّا للتاريخ إذا ما اعتقدنا أنّنا سنستأسد بحقوق الإنسان بعد أن دخلنا حروبًا غير متكافئة. يؤدّي غياب المنظور التاريخي الواقعي إلى هلاك الإنسان والحقوق معًا. تصبح سرديات ما بعد الاستعمار والخطاب الديكولونيالي والتمرد الإبستيمي جزءا من هذا الخطاب المضاد للتاريخ في زمن الحرب. هذه السرديات مهمة في حقبة السلم ووجود مخاطَبٍ قادر على تفهمها.
وإذا ما كانت الحرب هي الأصل، وإذا كان السلم مرحلة وسطى بين حربين، ينبغي لنا آنذاك أن ننصت إلى أحد المُنَظرين لفلسفة الحرب الذي كتب كتابًا وصيّةً لتنبيه الإنسانية إلى مخاطر الحروب.
أنجز كارل فون كلاوزُڤِتس Karl von Klausewitz مخطوطه عن الحرب، دون أن يكمله بشكل كامل، وتحسَّرَ على أنَّ الموت قد يدركه دون أن ينجز تحرير الفصلين السابع والثامن. وبالفعل، توفي قبل إنجاز الكتاب كاملا، وحاولت زوجته تدارُكَ النقص من خلال العودة إلى الأوراق المتفرّقة، وأخرجت الكتاب سنة 1832.
حسب رأيي كان الكتاب وصية عالم اعتقد أنه وضع علما جديدًا يخضع لنواميس لا تبديل لها. وبما أنّه كان يعلم أنه سيموت قبل نهاية الكتاب، فإنَّ هدفه كان هو تنبيه الإنسانية إلى معنى وجود العدو في الحروب.
أظنُّ أنَّ كلَّ الحروب، بما فيها هذه الحرب القائمة، لا تزال تنظر إلى العدو بنفس منظار كلاوزُڤِتس أي منذ سنة 1832.
يقول كلاوزُڤِتس في رسالته (ص. 8 من نشرة Ullstein 1990) :
“الحرب هي ممارسة السياسة، أو بعبارة أدقّ، هي ممارسة سياسة الدولة بطرق أخرى.”
ليس معنى ممارسة السياسة هو التفاوض أو التنازل أو البحث عن حلول وسطى، على خلاف ما يتبادر إلى الذهن ! بما أن كتابه هو في تدبير الحرب وليس تدبير السلم، بل معناه كيف يمكن إملاء سياسة الدّولة. قد يكون الهدف السياسي مختلفا باختلاف الشعوب وقد يكون مفعوله مختلفا لدى شعب واحد باختلاف الزمان؛ ولكن مقياس ممارسة السياسة بالحرب هو التأثير في الجمهور ودفع الجمهور إلى مساندة الحرب؛ بمعنى أنه ينبغي أن يكون الهدف هو تقوية اللحمة الوطنيّة (ص. 25، 26). لا حرب بدون عصبيّة؛ وعندما تضعف العصبيّة تضعف القدرات الحربيّة.
وعليه، تهدف الحرب إلى بقاء الأقوى داخليًا بعد مواجهة العدو خارجيًّا.
ظلَّ تعريف العدو واضحًا لدى كلاوزُڤِتس كما كان لدى هيغل: يتعارض وجود العدو مع وجودي. وجود العدو معناه عدم وجودي؛ والحفاظ على وجودي يعني عدم وجود العدو: ” يجب علي أن أتخوف من أن أخضع للخصم، ما دمت لم أنجح في إخضاعه؛ آنذاك إذا ما فرض علي الخضوع، فإنّني لن أظلَّ سيّد أفعالي، بل سيفرض علي قانونه، كما سأفرض عليه قانوني في الحالة الأخرى.” (20). لكنَّ كلاوزُڤِتس يعتبر أنَّ المجهود الذي أبذله في إعداد العدّة يجب أن يُقاس بمقياس قدرة العدو على المقاومة؛ ويظهر هذا المجهود المبذول في كفاية القدرات العسكرية المتوفرة وفي قوة الإرادة.
كانت ساعة كلاوزُڤِتس قد أزفت، وأراد أن يترك علمًا نافعًا، ليس للدعوة إلى الحرب، بل للتحذير منها. لكنّنا لن نستفيد أبدًا من هذا الدرس، ومن معرفة مدى قوتنا وضعفنا، بناءً على معرفة جيدّة بنواميس الحروب وبدور الحروب في قيام الدّول وخرابها.
الأكيد أنّنا لم نتجاوز في أفضل الأحوال فلسفة الحرب لدى كلاوزُڤِتس منذ 1832، بما أنَّ القوة اليوم لم تعد تظهر في حروب داحس والغبراء، بل أصبحت تظهر في مظاهر قوة أخرى تعرفها كثير من الدول في أوروبا الغربية واليابان وكندا (اقتصاديا واجتماعيا وعلميا وحقوقيا)، بما أنها لا تقو ى على مواجهة الغطرسة عسكريا.
عزالعرب لحكيم بناني














