بحلول 29 أبريل 2026، تكون قد مرت سبعة وسبعون سنة على رحيل الكولونيل إميليو بلانكو إزاغا، ذلك العسكري الشاب الذي حل بمنطقة الريف سنة 1927 في إطار مهمة أمنية محفوفة بالمخاطر، تمثلت في جمع سلاح المقاومة ومراقبة الأوضاع المحلية. غير أن هذه المهمة سرعان ما اتخذت منحى مختلفا، إذ أفضى انخراطه العميق في المجتمع الريفي إلى اهتمام علمي جاد بالمنطقة وسكانها، مما جعله يبرز لاحقا كباحث إثنوغرافي بارز.
وعلى الرغم من تنقيله سنة 1945 إلى القيادة المركزية للجيش بمدريد، وارتقائه إلى رتبة كولونيل، فقد ظل متمسكا برغبته في العودة إلى الريف، مقدما عدة طلبات في هذا الشأن قوبلت جميعها بالرفض من طرف فرانكو. وقد شكل هذا الخلاف أحد المحاور التي سيتم التطرق إليها خلال هذا اللقاء مع ابنته، إلى جانب التساؤل الإشكالي حول الكيفية التي انتقل بها من موقع المراقب المدني إلى موقع “العالِم” الإثنوغرافي، رغم غياب خلفية أكاديمية في هذا المجال.
وهنا يمكن الإنتباه إلى سياق أوسع يرتبط بظاهرة مشابهة عرفتها منطقة القبائل بالجزائر خلال القرن التاسع عشر، حيث تحوّل عدد من المراقبين المدنيين والمترجمين الفرنسيين إلى باحثين في الإثنوغرافيا، من قبيل فيرو وهانوطو وغيرهما. وقد انصبّ اهتمام هؤلاء، كما هو الحال بالنسبة لإميليو، على دراسة العادات والتقاليد، والقانون العرفي، والأدب الشفهي، مع اعتماد مقاربات ميدانية متقاربة (ما عدا الظاهرة الانقسامية التي طبعت المجتمع الريفي). غير أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في السياق الزمني، إذ تعود البدايات الأولى للبحث الإثنوغرافي في منطقة القبائل إلى ستينيات القرن التاسع عشر، كما يتجلى ذلك في أعمال هانوطو (1868) ودراسات شارل فيرو منذ 1864، والتي تميز بعضها بإرفاقه برسومات توثيقية، وهو ما سيعتمده لاحقا إميليو بدوره.
في أواخر سنة 2017، أُتيحت لي فرصة زيارة السيدة كونشا بلانكو مورو، وهي ابنة إميليو بلانكو ذي الأصول الباسكية، ووالدتها السيدة مورو ذات الأصول الأندلسية، رفقة زوجها، وذلك بمقر إقامتهما بإسبانيا. وقد اتسم هذا اللقاء بحفاوة استقبال لافتة. وقبل أن نبدأ حديثنا، ونحن لا نزال واقفين في بهو منزلهما، بادرت السيدة كونشا بطرح تساؤل يعكس عمق ارتباطها الوجداني بالريف: «ماذا يحدث في مدينتي الحسيمة؟»، في إشارة إلى الحراك الاجتماعي الذي كانت تعرفه المنطقة آنذاك، معبرةً عن قناعتها بأن مستوى التنمية في الريف لا يوازي حجم التضحيات التي قدمها سكانه.
ولدت السيدة كونشا بالحسيمة يوم 10 دجنبر 1937، وكان ذلك فال خير بالنظر إلى المكانة التي سيحتلها هذا اليوم لاحقا على الصعيد العالمي. وهي، بالفعل، إنسانة طيبة ومتضامنة وأم حنونة.
لقد رأت النور داخل مستوصف تابع للصليب الأحمر الإسباني، أُنشئ عقب إنزال الحسيمة سنة 1925 لتقديم الإسعافات للقوات الإسبانية. ويجدر التذكير بأن إنشاء فرع للصليب الأحمر بالريف كان مطلبا ملحاً لعبد الكريم الخطابي، الذي دعا إلى توفير الرعاية لجميع الجرحى دون تمييز، استنادا إلى مبادئ الحياد الإنساني. غير أن هذه الدعوات قوبلت بالرفض من طرف السلطات الإسبانية، التي اعتبرت المقاتلين الريفيين خارجين عن إطار القوات النظامية. ورغم نداءات عبد الكريم المتكررة، ونداءات عدد من المنظمات الدولية، من بينها فروع الصليب الأحمر السويدي والسوفياتي، والهلال الأحمر التركي والإنجليزي، بل وحتى تدخل ولي العهد السويدي (تشارل) شخصياً، فإن إسبانيا ظلت ترفض إسعاف المقاتلين الريفيين بدعوى أنهم لا يشكلون قوة نظامية، وإنما مجرد جماعات متمردة خارجة عن القانون.
في هذا الإطار التاريخي، جاءت ولادة كونشا في عز الحرب الأهلية الإسبانية، وهو ما انعكس على وضعية والدها الذي كان يشتغل آنذاك تحت سلطة حكومة شرعية ذات توجه يساري. وقد شكلت هذه الظروف، إلى جانب موقفه المتعاطف مع عبد الكريم الخطابي ومشروع جمهورية الريف، أحد أبرز نقاط الخلاف مع نظام فرانكو، حسب ابنته. كما تشير المعطيات إلى أن إميليو لم يكتف بالتعاطف السياسي، بل عبّر أيضا، من خلال كتاباته، عن رفضه لمحاولات تعريب سكان الريف وفرض قوانين الشريعة بديلاً عن منظومتهم العرفية المحلية، وهو موقف ينسجم مع تقديره العميق للبنية الاجتماعية والثقافية الخاصة بالمنطقة؛ غير أن الباحث دافيد هارت سجل اختلافه مع هذا الطرح، لاعتبارات لا يتسع هذا المقام لتفصيلها، وذلك من خلال كتابه “مختارات من أعمال إميليو بلانكو إزاغا”
السيدة كونشا كان لها اطلاع على جانب مهم من أعمال والدها، خاصة ما يتعلق بدراسة العرف الريفي، وأنماط السكن، إضافة إلى الرسومات التوثيقية، كما تستحضر زيارة الباحث دافيد هارث لأرشيف والدها في مدريد خلال خمسينيات القرن الماضي.
رحل إميليو بلانكو إزاغا يوم 29 أبريل 1948، في وقت كان لا يزال فيه منشغلا بقضايا منطقة الريف، وكان أمله الأساسي هو العودة إليها لاستكمال أبحاثه التي امتدت على مدى عشرين سنة. وقد شكل انتشار المجاعة بالريف خلال أربعينيات القرن الماضي، نتيجة الجفاف، أحد أبرز مصادر قلقه، إذ اعتبر نفسه شاهدا عاجزا أمام تدهور الأوضاع، محمّلا المسؤولية للإدارة الاستعمارية ومندوبها. ويتقاطع هذا الموقف، إلى حدّ بعيد، مع ما عبّر عنه نجله، شقيق كونشا، الراحل الدكتور أوغستين بلانكو مورو، الذي رأى أن والده «غرد خارج السرب» مقارنة بتوجهات المؤسسة السياسية السائدة المرتبطة بسلالة البوربون (في إشارة إلى النظام الملكي) والنخب التي اضطلعت بدور حراستها، معتبرا أن إسبانيا كان يمكن أن تكون في وضع أقل سوءا في ظل غياب هذه البنية، بحسب تقديره.
وتؤكد السيدة كونشا أن اهتمام والدها لم يكن منصبا على ما “معادن الأرض” بالريف، بقدر ما انصب على “معدن الإنسان”، إذ سعى إلى فهم البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الريفي. ورغم أن إميليو، كفاعل إثنوغرافي، يعد من حيث السياق نتاجا لما يعرف بـ”القلق الاستعماري”، حسب تعبير المؤرخ الإسباني فانسينت موغا، فإن المعطيات المتوفرة تستبعد اندراج أبحاثه ضمن مخطط مؤسساتي موجه، بدليل غياب اهتمام المؤسسة الرسمية بأعماله، باستثناء بعض الباحثين الإسبان والأجانب الذين أدركوا قيمتها العلمية.
** جمال الكتابي














