لم يكن إلغاء الرحلات البحرية الرابطة بين ميناء موتريل الإسباني ومدينة الحسيمة مجرد اضطراب تقني عابر في برنامج النقل البحري، بل كان مناسبة جديدة تكشف حجم الفراغ السياسي والمؤسساتي الذي تعيشه المنطقة كلما تعلق الأمر بالدفاع عن مصالحها الحيوية.
فقد جاء هذا الاضطراب في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت جموع مغاربة العالم تستعد للعودة إلى أرض الوطن ضمن عملية “مرحبا”، وفي أوج ذروة حركة التنقل بين ضفتي المتوسط، فوجد عدد كبير من أبناء الريف أنفسهم أمام ارتباك مفاجئ في رحلة العودة، دون أن يرتفع صوت مؤسساتي واحد يطالب بالتوضيح أو يتحرك للضغط من أجل حماية هذا الخط البحري الذي لا يمثل مجرد وسيلة سفر، بل شريان حيوي يربط آلاف الأسر بوطنها وبمنطقتها الأصلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو:
أين هي المؤسسات التي لا تكف عن الحديث عن خدمة المواطن والدفاع عن قضايا الجالية؟ أين هو مجلس الجالية المغربية بالخارج حين يتعلق الأمر بمشكل عملي يمس بشكل مباشر فئة واسعة من المغاربة المقيمين خارج الوطن؟ وأين هم البرلمانيون والمنتخبون الذين لا يترددون في إطلاق الوعود إبان الحملات الانتخابية، لكن حضورهم يتراجع بشكل لافت متى تعلق الأمر بمعارك حقيقية تستوجب موقفا وصوتا واضحين؟
إن ما جرى يعكس بجلاء أزمة أعمق من مجرد إلغاء رحلات بحرية؛ إنها أزمة غياب سياسي وتراجع في القدرة على الترافع عن مصالح الحسيمة والريف عموما. ذلك أن المناطق لا تُصان بالشعارات، ولا تُحمى مصالحها بالبلاغات المناسباتية، وإنما بالحضور الفعلي، والضغط المؤسساتي المتواصل، والقدرة على تحويل انشغالات المواطنين إلى ملفات ذات أولوية فعلية لا شكلية.
لقد بات واضحا أن جزءا من النخب المنتخبة يتعامل مع المسؤولية بوصفها مجرد موقع انتخابي، لا التزاما أخلاقيا وسياسيا تجاه الساكنة. فالمسؤولية ليست مقعدا في البرلمان، ولا رئاسة مجلس، ولا عضوية في مؤسسة، بل هي استعداد دائم للدفاع عن المواطنين متى واجهتهم الأزمات، لا سيما حين يتعلق الأمر بملفات تمس كرامتهم وحقهم في خدمات أساسية كحرية التنقل.
أما فشل الترافع المؤسساتي في قضية خط موتريل الحسيمة، فإنه يعيد طرح سؤال جوهري حول موقع الريف داخل أجندة المؤسسات: هل يُنظر إلى المنطقة باعتبارها شريكا يستحق تنمية حقيقية وحضورا قويا في القرار، أم باعتبارها مجرد خزان انتخابي يُستعاد الاهتمام به كلما اقتربت المواعيد السياسية ثم يُطوى الملف إلى حين؟
إن أبناء الجالية الريفية الذين يساهمون بجهدهم في الاقتصاد الوطني، ويحافظون رغم بُعد المسافة على ارتباطهم العميق بوطنهم، لا يحتاجون إلى خطابات التقدير في المناسبات الرسمية، بل يحتاجون إلى مؤسسات تدافع عنهم فعليا حين تتعطل مصالحهم. فالدفاع عن الجالية لا يكون بالصور واللقاءات البروتوكولية، وإنما بحماية حقها في التنقل، وتوفير شروط عودة كريمة وآمنة، والتدخل السريع كلما ظهرت اختلالات تهدد مصالحها.
إن صمت المنتخبين ومحدودية تحرك المؤسسات إزاء هذه الأزمة لا ينبغي أن يمر دون نقاش جاد. فمن حق المواطن أن يتساءل: ما قيمة التمثيلية السياسية إذا ظلت القضايا الأساسية بلا صوت يحملها؟ وما جدوى المؤسسات إذا كانت لا تتحرك إلا بعد تفاقم المشكلات وتحولها إلى أزمات رأي عام؟
إن قضية خط موتريل الحسيمة ليست سوى حلقة في سلسلة، وهي جرس إنذار جديد لا ينبغي التهوين منه. فالمناطق التي لا تجد من يدافع عنها تفقد تدريجيا ثقتها في مؤسساتها، والمسؤول الذي يغيب عن معارك المواطنين اليومية يفقد شيئا فشيئا شرعية تمثيله لهم.
لقد آن الأوان للانتقال من سياسة الصمت والانتظار إلى سياسة المبادرة والترافع الحقيقي، ذلك أن الحسيمة والريف لا يحتاجان إلى مزيد من الوعود المؤجلة، بل إلى من يحمل قضاياهما بجدية ومسؤولية، داخل المؤسسات وخارجها على حد سواء.
** ذ: فريد سوسان












