العلاقة بين الأندلس وقبيلة بقيوة (إبقوّين) هي علاقة تاريخية وثيقة وضاربة في القدم، وتجلت بشكل أساسي من خلال الجغرافيا، الجهاد البحري، وحركة الهجرة العلمية والتجارية.
كانت بلاد بقيوة، بفضل موقعها الاستراتيجي المطل مباشرة على البحر الأبيض المتوسط وقربها من السواحل الإسبانية، تمثل “بوابة الريف” نحو الأندلس. وتتلخص هذه العلاقة في عدة نقاط جوهرية:
1. مدينة بادس التاريخية: همزة الوصل المشتركة
2. لسان الدين بن الخطيب وبقيوة
من أبرز الشواهد الأدبية والتاريخية على هذه العلاقة، لجوء وزير الأندلس الشهير وعلامتها لسان الدين بن الخطيب إلى مدينة بادس ببلاد الريف عندما ضاقت به السبل في الأندلس نتيجة الصراعات السياسية في غرناطة. وهناك نظم سينيته الشهيرة المشتاقة لجمال تلك الهضبة الشماء حيث قال:
عَسَى خَطْرةٌ بالرّكْبِ يا حادِيَ العِيسِ … علَى الهضْبَةِ الشّمّا منْ قصْرِ بادِيسِ
لتَظْفَرَ منْ ذاك الزُّلالِ بعَلّةٍ … وتنْعَمَ في تِلْك الظِّلالِ بتَعْريسِ
وقد عكس هذا النثر مدى الأمان والمكانة العلمية التي حظيت بها المنطقة في أعين النخبة الأندلسية.
3. الدبلوماسية والجهاد البحري المشترك
نظراً لطبيعة قبيلة بقيوة كقبيلة ساحلية بامتياز واشتهار سكانها بركوب البحر، فقد لعبوا دوراً كبيراً في:
عبور المجاهدين: كانت شواطئ بقيوة (مثل بادس وبوسكور) نقطة انطلاق لجيوش المتطوعين والمجاهدين الريفيين الذين كانوا يعبرون لمساندة مسلمي الأندلس في فترات ضعف قواهم أمام الممالك المسيحية.
إيواء النازحين والأندلسيين: بعد سقوط الحواضر الأندلسية الكبرى وتوجُّه قطار الهجرة الموريسكية نحو شمال إفريقيا، استقبلت موانئ وقرى الريف الأوسط (ومنها بلاد بقيوة) أعداداً من العائلات الأندلسية التي استقرت بالمنطقة، وانصهرت مع النسيج الأمازيغي المحلي وساندتهم في تطوير تقنيات الملاحة والتحصين الدفاعي.
4. الروابط العلمية والصوفية
امتدت العلاقة لتشمل الجانب الروحي؛ حيث كان هناك تبادل مستمر للعلماء والفقهاء بين مدارس الأندلس وحواضر الريف. وكتاب “المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف” لعبد الحق البادسي يبرز بوضوح كيف كانت المنطقة منارة تجذب طالبي العلم والمتصوفة من عدوة الأندلس وفاس وسبتة، مما خلق تلاقحاً ثقافياً وفكرياً غنياً بين الثقافتين الأمازيغية الريفية والأندلسية.
** ذ : عبد اللطيف امحمد خطابي













