هذه الرواية حينما صدرت طبعتها الأولى سنة 1986، كنت طالبا سنة ثالثة في كلية الآداب، جامعة محمد الاول بمدينة وجدة، كعادتي زرت المدينة مساء، وقد لفت انتباهي اسم الكاتب صاحب رواية كان واخواتها الاستاذ عبد القادر الشاوي
أعرف أنه كان لايزال نزيل السجن المركزي بالقنيطرة كمعتقل سياسي، وبما أنه كان أستاذا للغة العربية وآدابها بالثانوي، حسب ما توفر لدي من المعلومات التي قرأتها عن سيرته الذاتية، فقد حسبته كتابا يتناول قضايا في اللغة والأدب، ومن باب التعاطف ومعرفة اجتهاداته في المجال المعرفي الخاص بعلوم اللغة، فقد اقتنيت نسخة من الكتاب، وقصدت الحي الجامعي لتناول وجبة العشاء والالتقاء بالاصدقاء والرفاق
وقد تفاجأت، بالطلبة والطالبات يلتفون من حولي للإطلاع على الرواية وتفحصها، آنذاك فقط تأكدت أن حدسي لم يكن في محله الصحيح، وأن الأمر يتعلق بجنس أدبي يندرج ضمن أدب السجون على غرار رواية ” شرق المتوسط ” للروائي السوري عبد الرحمان منيف..
قصدت المكتبة الثقافية المعروفة في وسط المدينة التي لم يبق لها من أثر اليوم بعد مرور عقود من الزمن، وذلك في صباح اليوم الموالي، لاقتناء نسخة ثانية بناء على توصية من أصدقائي الطلبة من الحسيمة وفكيك..
دخلت المكتبة وطلبتها من الرجل الوقور الذي كنت أحترمه وأعزه، وهو يعتمر قبعة وطنية، ويحمل نظارتين طبيتين، وكان يعرفني لترددي على مكتبته من وقت لآخر، وخاصة في أوقات تسلمنا للمنحة الجامعية رغم محدوديتها وبساطتها، فقد كانت فأل خير، وخير معين لنا على متطلبات الحياة الجامعية القاسية.
طلبت منه نسخة من رواية كان واخواتها، حملق في وجهي وأجال ببصره طويلا في عيني بعد أن حدجني بنظرة ثاقبة، ثم أجابني لقد نفذت جميع النسخ، وقبل أن أهم بالانصراف، طلب مني الرجوع، وقال : لقد قامت الشرطة بمصادرة وحجز جميع أعداد ونسخ الرواية البارحة ليلا، وطلب مني مستفسرا، هل مضمون الرواية يتعلق بالسياسة، أجبته نعم، وسلم إلي نسخة وحيدة كان يحتفظ بها بين ركام الجرائد تحت رفوف مكتبه .
شكرته وأنا ممتن له، وكان الأستاذ الشاوي قد أصدر كتابا عن السلفية والوطنية وعن حزب الاستقلال..، وتعد رواية كان وأخواتها بمثابة تقييم لمسارهم النضالي وتجربتهم السياسية بكل ما تضمنته من أحلام الشباب الوطنية والتقدمية الجميلة، في أفق تأسيس المجتمع الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية..
وفي نفس الوقت توجيه سهام النقد بشكل ضمني لكل الأخطاء التي رافقت قراءتهم للواقع الاجتماعي المغربي؛ وهم في عنفوان الشباب يفتقدون إلى التجارب السياسية المحنكة، من خلال الممارسة اليومية والاحتكاك بالمواطنين، ومعرفة حقيقة همومهم وطبيعة مشاكلهم..
كما تضمنت الرواية تجربة الاعتقال السياسي المريرة خلال ما عرف سياسيا وإعلاميا بسنوات الجمرو الرصاص، وآلامهم ومعاناتهم رفقة أسرهم وعائلاتهم وزوجاتهم؛ من جراء سنوات الاعتقال الطويلة، إضافة إلى ما تعرضوا إليه في درب مولاي الشريف السيء الذكر، وبعض مراكز الاعتقال السري قبل محاكمتهم وإحالتهم على السجن ..
وكأني بالاستاذ الشاوي يمني نفسه بالبدائل التي كانوا يمعنون في انتقادها من خلال تجربتهم وحركتهم، سواء كطلبة وطالبات أو كموظفين من البورجوازية الصغيرة ( الشرائح الاجتماعية الصغرى) ، بما في ذلك مدخل آلية النضال الديمقراطي من داخل المؤسسات والنقابات والعمل الحقوقي والثقافي؛ الجاد والرصين، وهي كلها عوامل تساعد وتؤدي إلى إحداث التغيير والاصلاحات التي تخدم الوطن وعموم المواطنين..
** ذ : محمد المرابطي














