في كل محطة انتخابية جديدة، تعود السلطة إلى إعادة تسويق الوهم نفسه عبر واجهة حزبية منهكة ومفككة، تقدم نفسها باعتبارها تعبيراً عن التعددية السياسية والديمقراطية، بينما الواقع يؤكد أن الأمر لا يعدو أن يكون إعادة ترتيب للتوازنات داخل بنية سياسية واقتصادية قائمة على التحكم والاستغلال وإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية. إن المشهد السياسي الحالي، كما تعكسه البرامج الحوارية والتصريحات الإعلامية لزعماء الأحزاب، يكشف بوضوح حجم الإفلاس الفكري والتنظيمي الذي وصلت إليه الأحزاب السياسية التي تحولت من أدوات للتأطير الشعبي والنضال الجماهيري إلى مجرد آليات انتخابية موسمية فاقدة لأي مشروع تحرري حقيقي. فهذه الأحزاب التي تتصارع اليوم حول المواقع والمقاعد لا تختلف في الجوهر، لأنها جميعاً تدور داخل السقف نفسه وتخضع للمنطق نفسه، منطق التكيف مع شروط السلطة بدل الانحياز لمصالح الجماهير الشعبية الكادحة.
لقد أصبح واضحاً أن ما يسمى “بالتنافس السياسي” لم يعد سوى صراع بين نخب تسعى إلى ضمان مواقعها داخل مؤسسات فاقدة للقدرة الفعلية على صناعة القرار السياسي والاقتصادي الحقيقي. ولهذا فإن أغلب الخطابات التي يتم ترويجها اليوم لا تتجاوز حدود الشعبوية الانتخابية الفارغة، حيث تختفي الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالثروة والسلطة والعدالة الاجتماعية، ويتم تعويضها بخطابات تقنية باردة أو وعود استهلاكية لا تلامس جذور الأزمة البنيوية التي يعيشها الشعب المغربي. إن الأحزاب التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية والتنمية لم تجرؤ يوماً على مساءلة طبيعة الاختيارات الاقتصادية المفروضة على البلاد، ولا على فضح منطق التبعية للمؤسسات المالية الدولية، ولا على مواجهة السياسات التي دمرت المدرسة العمومية والصحة العمومية وعمقت الفوارق الطبقية ووسعت دائرة البطالة والتهميش والهشاشة.
إن الأزمة الحالية ليست أزمة أشخاص أو قيادات فقط، بل أزمة بنية سياسية كاملة جرى تأسيسها على إفراغ السياسة من مضمونها النضالي وتحويلها إلى مجرد تدبير تقني يخدم مصالح التحالف الطبقي المسيطر. فالأحزاب التي كانت تدعي تمثيل الجماهير الشعبية اندمجت تدريجياً داخل منظومة الامتيازات والريع، وتحولت إلى مؤسسات بيروقراطية منفصلة عن الواقع الاجتماعي، لا تظهر إلا خلال المواسم الانتخابية حيث يتم استدعاء لغة “القرب من المواطن” و“الدفاع عن القدرة الشرائية” و“الدولة الاجتماعية”، بينما تستمر السياسات نفسها التي تنتج الفقر والبطالة والقهر الاجتماعي. ولهذا لم يعد المواطن يثق في الخطاب الحزبي، لأنه اكتشف بالتجربة أن هذه التنظيمات لا تدافع عن مصالحه بقدر ما تدافع عن استمرار التوازنات القائمة.
إن البرامج الحوارية التي يظهر فيها قادة الأحزاب تكشف بشكل فاضح هذا الفراغ السياسي والفكري. فبدل تقديم قراءات نقدية حقيقية لطبيعة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، يتم اللجوء إلى لغة خشبية متكررة مليئة بالشعارات الفضفاضة والمصطلحات التقنية التي تخفي العجز عن مواجهة الحقيقة. والحقيقة هي أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية فقد أي استقلالية فعلية، وأصبح مجرد وسيط لتبرير السياسات اللاشعبية وتجميل واقع التفاوت والاستغلال. بل إن بعض الأحزاب التي كانت تقدم نفسها كقوى معارضة تحولت بسرعة إلى أدوات لتصريف الاختيارات نفسها بمجرد اقترابها من السلطة، ما يؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد تناوب انتخابي، وأن المشكل الحقيقي يكمن في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الذي يعيد إنتاج النخب نفسها والسياسات نفسها مهما تغيرت الشعارات والواجهات.
وفي ظل هذا الوضع، تتوسع حالة المقاطعة السياسية وفقدان الثقة، خصوصاً وسط الشباب والطبقات الشعبية التي لم تعد ترى في الانتخابات وسيلة للتغيير الحقيقي. فكيف يمكن الحديث عن ديمقراطية فعلية في ظل استمرار التفاوت الطبقي ونهب الثروات واحتكار القرار الاقتصادي والسياسي؟ وكيف يمكن إقناع الجماهير بجدوى المؤسسات المنتخبة بينما يتم تهميش المطالب الاجتماعية الأساسية المتعلقة بالشغل والتعليم والصحة والسكن والكرامة الإنسانية؟ إن ما يجري اليوم هو محاولة مستمرة لإعادة إنتاج الوهم الديمقراطي عبر واجهات حزبية فقدت مصداقيتها التاريخية، وأصبحت عاجزة حتى عن لعب دور الوساطة السياسية التقليدية التي كانت تقوم بها في السابق.
إن المطلوب اليوم ليس إعادة ترميم صورة الأحزاب أو تجميل الخطاب الانتخابي، بل بناء أفق سياسي ديمقراطي شعبي مستقل يرتبط فعلياً بمصالح العمال والكادحين وصغار الفلاحين والمعطلين وكل الفئات المقهورة. فالتغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر تدوير النخب نفسها أو عبر انتخابات تُستعمل لإضفاء الشرعية على الاختيارات نفسها، بل عبر نضال جماهيري ديمقراطي يربط بين التحرر السياسي والتحرر الاجتماعي والاقتصادي، ويضع قضية العدالة الاجتماعية في قلب الصراع السياسي. أما الاستمرار في إنتاج المشهد الحزبي الحالي، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وفقدان الثقة واتساع الهوة بين الشعب والمؤسسات، داخل واقع يزداد فيه الغنى تركّزاً في يد أقلية، بينما تتعمق معاناة الأغلبية الشعبية يوماً بعد يوم.
– أبو علي بلمزيان .














