على بعد يوم واحد من عيد العمال العالمي، يعود السؤال بإلحاح أشد: أي معنى لهذا اليوم في سياق يتسم بتصاعد القهر الاجتماعي وتفاقم الاستغلال؟ بأي منطق يمكن الحديث عن الاحتفال، والطبقة العاملة تُدفع يومياً نحو الهشاشة، ويُرمى بآلاف العمال والعاملات إلى الشارع تحت ذرائع واهية، فقط لأنهم طالبوا بحقوق مشروعة أو تمسكوا بكرامتهم الإنسانية؟ إن ما يفترض أن يكون عيداً أممياً للنضال والتضامن، يتحول في واقعنا إلى لحظة مكثفة لكشف عمق التناقضات الاجتماعية، وفضح السياسات التي تستهدف الشغيلة في وجودها المادي والمعنوي.
لقد مرت سنة كاملة موسومة بتصاعد القمع والتضييق، حيث وُوجهت الوقفات الاحتجاجية السلمية بمختلف أشكال المنع والعنف، وتعرض مناضلون عماليون للملاحقة والاعتقال، في محاولة ممنهجة لخنق كل صوت مقاوم. وفي الآن ذاته، استمرت الدولة في تمرير حزمة من القوانين التراجعية التي تُفصل على مقاس مصالح الرأسمال، وتجهز على ما تبقى من مكتسبات تاريخية انتزعتها الطبقة العاملة بدمها وتضحياتها. إن هذا التوازي بين القمع السياسي والهجوم الاجتماعي ليس صدفة، بل يعكس طبيعة الاختيارات اللاشعبية التي تنحاز بشكل واضح إلى قوى الاستغلال.
أما ما يُسمى بـ”الحوار الاجتماعي”، فقد انكشف زيفه أكثر من أي وقت مضى، ليغدو مجرد واجهة شكلية تُستعمل لامتصاص الغضب وشراء الوقت. إنه حوار بلا نتائج حقيقية، تُستهلك فيه الشعارات وتُفرغ فيه الالتزامات من مضمونها، بينما يستمر التدهور الفعلي لأوضاع الشغيلة. في المقابل، يُترك الشعب لمصيره القاسي، حياة اجتماعية هزيلة لا تكفي لمواجهة موجة الغلاء المتصاعدة، في تعبير صارخ عن غياب أي حس بالعدالة الاجتماعية.
ولا يقف الأمر عند حدود الشغل والدخل، بل يمتد ليشمل الحق في السكن والعيش الكريم. فمشاهد هدم منازل الفقراء دون توفير بدائل لائقة، تدفع بآلاف الأسر نحو التشرد، في سياسات لا تراعي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. إنها صورة شاملة لواقع تُعمَّق فيه الفوارق الطبقية، وتُكرَّس الهشاشة، ويُدفع فيه المجتمع نحو مزيد من الاحتقان والانفجار.
في ظل هذا الوضع، يكتسي السؤال طابعاً حاداً: هل نحتفل فعلاً بفاتح ماي؟ أم نحوله إلى محطة نضالية لمساءلة واقع لم يعد يحتمل؟ من منظور الخط النضالي الجذري، لا يمكن لهذا اليوم أن يكون مجرد طقس احتفالي فارغ، بل هو لحظة لتجديد الوعي الطبقي، واستحضار جوهر الصراع بين العمل والرأسمال. إنه ليس عيداً بالمعنى الاستهلاكي، بل فضاء لإعادة بناء ميزان القوى المختل، والانخراط في معركة طويلة النفس ضد كل أشكال الاستغلال.
إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في استعادة الطبقة العاملة لزمام المبادرة، عبر تنظيم قوي، مستقل، وديمقراطي، قادر على توحيد صفوف الشغيلة بمختلف فئاتها. غير أن واقع العمل النقابي يكشف عن أزمة عميقة، حيث تظل نسبة واسعة من العمال خارج أي إطار تنظيمي، في حين تعاني العديد من النقابات من ضعف التمثيلية ومن اختلالات بنيوية تحد من قدرتها على التأطير والتعبئة. إن هذا الوضع يطرح بإلحاح ضرورة تجديد العمل النقابي على أسس كفاحية، وربطه بقضايا الجماهير الشعبية في شموليتها.
إن فاتح ماي، في هذا السياق، ليس لحظة للاحتفال بقدر ما هو جرس إنذار. إنه دعوة صريحة إلى إعادة بناء أدوات النضال، وإلى القطع مع الأوهام الإصلاحية التي أثبتت محدوديتها. فإما أن تنجح الطبقة العاملة في فرض موقعها كقوة اجتماعية فاعلة، قادرة على الدفاع عن حقوقها وانتزاع مكتسباتها، أو يُترك المجال مفتوحاً أمام مزيد من الهجوم على ما تبقى من هذه الحقوق.
إنه اختيار بين طريقين: إما الاستسلام لمنطق الاستغلال والتهميش، أو الانخراط الواعي في معركة التغيير. وبين هذا وذاك، يبقى صوت الشغيلة مدعواً لأن يعلو، لا في شكل احتفال عابر، بل كصرخة جماعية ضد البؤس والجشع، وضد كل السياسات التي تنكر حق الإنسان في الكرامة والعدالة. هكذا فقط يمكن أن يستعيد فاتح ماي معناه الحقيقي: يوماً للنضال، لا يوماً للزينة الخطابية.
** بوعلي بلمزيان














