الحلقة 5
(…)ونحن نقترب من إسدال الستار على هذه الحلقات، يبرز جانب آخر طبع العلاقة بين أحياء الحسيمة، سيما “السوق” و”باريو”، ويتعلق الأمر هذه المرة بعلاقة أهلهما بالمجال البحري، حيث كانت الشواطئ والمواقع البحرية تخضع ، بشكل غير معلن، لنفوذ هذا الحي أو ذاك ، ضمن حدود رمزية صارمة لا يُسمح ” للغريب ” بتجاوزها دون إثارة الشبهات و مناوشات قد تسبب في إيقاظ و إشعال فتيل مواجهات مباشرة.
مع استثناءات معزولة، لقد انفرد ” صْحاب السوق” بريادة فضاءات بحرية مثل: “ماطاضيرو”، و”كالابونيتا”، و”ثارا نتروميث”، و”مقطوعة”، و”إسري /إسلي” إلى حدود ” بورفحم” .. بينما كان ” أصحاب باريو” ينتشرون على امتداد شواطئ “صيباديا” الفسيحة والمواقع المشكلة لحزام جبل سيدي عابد، وصولًا إلى محيط الميناء وفضاءات “بونتا”، و”إزرا”، و”قاذوس أبرخان”، و”بلاييطا”، و”بيذرا ميرو” و” بيذرا اوما صرمانا” وغيرها من المواقع الشعبية التي تسمح أغلبها بممارسة رياضات القفز من الأعالي والمغامرات البحرية الخطرة ، في حين، ظل شاطئ “كيماذو” بالنسبة لكثيرين من هؤلاء ، فضاء خاصا بعلية القوم والأجانب و” صْحاب الشيكي” من أبناء العائلات الميسورة، الأمر الذي جعل فئات واسعة من شباب الأحياء الشعبية تنفر من أجوائه وتبحث عن فضاءات أكثر انسجامًا مع روحها الشعبية والمغامرة.
وضمن هذا المجال البحري ، برزت مهارات شملت كل الألعاب والرياضات كالقفز من المرتفعات الذي برزت فيه أسماء عديدة غطت كل أحياء الحسيمة ، نذكر منهم على سبيل الحصر: شعيب شهيد من ( وسط المدينة) و المرحوم إدريس بن عياد المعروف بـ “AZIZOUN”، وعمر نمزيان، والمرحوم عبد الخالق أخنيش ( حي أفزار/ السوق) ، والمرحوم” جمال شحشاح ” (حي مالاكّا)، وعمار نزهرا (حي كلابونيتا)، ومن (حي باريو) نجد المرحوم محمد اليزيد الذي توفي على إثر قفزة قاتلة من علو بحري (تماما كما حدث لكل من المرحوم”Sanchez” من (وسط المدينة) الذي اشتغل قيد حياته نادلا ب” كونتوارcomptoir” مقهى فلوريذو ، والمرحوم ابن ع العزيز مورينو (باريو) ـ الذي نسجل التافاتة شوعو الإنسانية إزاء وضعه ـ قبل أن يدركه الأجل المحتوم ،وهو مقعد على كرسيه المتحرك ..) .
ومن( حي باريو ) أيضا، نجد المرحوم امحمذ بوعزا الذي ظل من أبرز المغامرين البحريين، بجرأته اللافتة في ممارسة رياضة التزحلق على الماء (سكي sking) حافيا دون استعانته باللوحتين المخصصتين لذلك ! إضافة لعروضه وقفزاته التي كانت تبهر الجميع ضمن مجال “شاطئ كيماذو “بنفس الانبهار الذي يسكن السياح المتجولين على متن مركبهم ” كلايريس ” وهويقفز ويرتمي من أعلى برج هذا الأخير خلال رحلاته البحرية الممتعة التي كانت تنشطها موسيقيا المجموعة المحلية . “BERBERE’S EXPERIENCE” .
رحم الله من رحل من هؤلاء ، وغفر لنا ولهم ما قد تكون الذاكرة قد بعثرته من تفاصيل أو شوائب، ونحن نستعيد اليوم جزءًا من حياة جيل انشغل، بين الواقع والوهم، بصراعات الأحياء، ومغامرات البحر، ومظاهر التمرد الصغير ونشوة حياة لازال إكسيرها يغذي الحلم الآتي ..
لقد كانت تلك المرحلة، رغم ما طبعها من تراشق بالحجارة، ومشاحنات المقاهي والحانات، ومواجهات ” إقشليون”، وتنافس رياضي ومغامرات بحرية …محكومة أيضًا بأعراف غير مكتوبة؛ سرعان ما كانت تتحول إلى تضامن وتحالف عند الشدائد.
إنها محاولة متواضعة لالتقاط صفحة من التاريخ الاجتماعي للحسيمة؛ تاريخ لا نعثر عنه في كتب المؤرخين، لكنه ما يزال حيًا في ذاكرة من عاشوه، بما يحمله من شغب ومرارة، ومن دفء إنساني ونبل شعبي خالص.













