لم يكن حراك الريف بالحسيمة حدثا عابرا في ذاكرة المغرب الحديث، ولا مجرد احتجاج مطلبي محدود كما حاولت السلطة تصويره، بل كان لحظة تاريخية انكشف فيها التناقض العميق بين شعب يطالب بحقه في الحياة، ومنظومة اعتادت أن تؤجل كرامة الإنسان إلى أجل غير معلوم. لقد خرج أبناء الريف لا لأنهم عشاق فوضى أو دعاة خراب، بل لأنهم بلغوا الحد الذي تصبح فيه المطالبة بالكرامة فعلا وجوديا، لا خيارا سياسيا فقط.
حين وقف ناصر الزفزافي ورفاقه في الساحات، لم يكونوا يطلبون المستحيل، ولم يحملوا أوهاما برجوازية عن الرفاهية الفارغة، بل طالبوا بما يجب أن يكون حقا بديهيا لكل شعب: مستشفيات تحفظ حياة الفقراء بدل أن تدفعهم إلى الموت البطيء، مدارس تمنح أبناء الكادحين فرصة للهروب من إرث التهميش، وبنية اجتماعية تجعل الإنسان يشعر أن الوطن ليس شركة خاصة للأقوياء، بل فضاء مشتركا لجميع أبنائه.
لكن السلطة، كعادتها حين تواجه صوت الجماهير، لم تر في تلك المطالب سوى تهديد لهيبة الصمت. فكان القمع، وكانت الأحكام الثقيلة، وكانت سنوات السجن الطويلة التي أرادت أن تجعل من أجساد المناضلين جدرانا تعلق عليها الدولة رسالة الخوف. غير أن التاريخ علمنا دائما أن السجون لا تهزم الأفكار، وأن الأنظمة تستطيع أن تؤجل الوعي الشعبي، لكنها لا تستطيع قتله. فكل صرخة خرجت من الحسيمة كانت تكشف هشاشة الصورة التي حاولت السلطة رسمها عن الاستقرار، لأن الاستقرار الحقيقي لا يبنى بالخوف، بل بالعدالة.
ولعل أكثر ما جعلني أُدرك أن نضال الجماهير لا يذهب هباء، تلك اللحظة التي دخلت فيها المستشفى الإقليمي محمد السادس بالحسيمة. هناك فقط، فهمت أن بعض الحقوق لا تمنح حبا في الشعب، بل تنتزع حين يصبح صمت الناس مستحيلا. لم يكن المستشفى بالنسبة إلي مجرد بناية حديثة، بل بدا كأثر مادي تركه غضب الناس في الواقع، وكأن الجدران نفسها تحمل بصمة أولئك الذين هتفوا يوما في الشوارع من أجل الكرامة.
منذ اللحظة الأولى، كان واضحا أن المكان مختلف عن كثير من المؤسسات العمومية التي اعتادت الطبقات الشعبية أن تدخلها وهي مستعدة نفسيا للإهانة والإهمال. نظافة دقيقة، تنظيم يبعث على الاحترام، تجهيزات حديثة، غرف طبية تشعرك بأن الإنسان الفقير يمكن هو أيضا أن يحظى بعلاج يليق بإنسانيته. لم تكن الأجهزة هناك مجرد واجهة بيروقراطية لتزيين صورة الدولة، بل أدوات حقيقية تستخدم لإنقاذ الناس، وكأن المكان يقول بصمت إن صحة الفقراء ليست عبئا زائدا على الوطن.
لكن ما هزني حقا لم يكن التكنولوجيا ولا شكل المبنى، بل تلك الإنسانية التي رأيتها في وجوه العاملين هناك. أطباء ينصتون للمرضى بهدوء، لا كأنهم يتعاملون مع أرقام، بل مع بشر يحملون خوفهم وأوجاعهم. وممرضات وممرضون يواجهون قسوة المهنة بقدر نادر من الصبر والرحمة. لأول مرة شعرت أن الاحترام داخل مؤسسة عمومية ليس أمرا مستحيلا، بل شيء ممكن حين توجد إرادة ترى الإنسان قبل كل شيء.
وهنا تحديدا يتجلى جوهر القضية، فالشعوب لا تطلب المعجزات، بل تطلب فقط ألا تهان. الكادح الذي يعمل طوال حياته لا يريد قصورا ولا امتيازات طبقية، يريد مستشفى يعالجه حين يمرض، ومدرسة تحفظ مستقبل أطفاله، وكرامة تمنعه من الشعور بأنه فائض بشري داخل وطنه. وهذه الحقوق لم تكن يوما هبات سخية من الأنظمة، بل نتائج مباشرة لتاريخ طويل من النضال الشعبي، دفع الناس ثمنه اعتقالا وقمعا وفقرا وتضحيات.
إن السلطة تحاول دائما إقناع الشعوب بأن الخضوع هو الطريق الوحيد للاستقرار، لكن الحقيقة التي يكررها التاريخ بلا توقف هي أن كل حق عرفته البشرية ولد من رحم المقاومة الجماعية. لم يحصل العمال على حقوقهم لأن الرأسمالية أصبحت رحيمة، ولم تتطور الخدمات الاجتماعية لأن الأنظمة استيقظت فجأة على ضميرها، بل لأن الجماهير دفعت الثمن طويلا حتى فرضت نفسها داخل المعادلة.
ولهذا، فإن ما حدث في الريف لم يكن نهاية حكاية، بل بداية وعي جديد. وعي يجعل الناس يدركون أن الكرامة لا تطلب همسا، وأن الصمت الطويل لا ينتج سوى مزيد من التهميش. غير أن النضال الحقيقي لا يكون بتمجيد الموت أو عبادة الألم، بل ببناء وعي جماعي قادر على تحويل الغضب إلى قوة اجتماعية منظمة، تفرض حق الشعب في العدالة والحرية والحياة الكريمة.
لقد خرجت من ذلك المستشفى بإحساس مزدوج، شيء من الأمل لأن التغيير ممكن حين ينهض الناس، وشيء من الحزن لأن شعبا كاملا اضطر إلى كل هذا الألم حتى يحصل على ما كان يجب أن يكون حقا طبيعيا منذ البداية. لكن التاريخ لا يتحرك إلا حين يرفض المقهورون البقاء على هامشه، وحين يفهم الناس أن الكرامة ليست منة من أحد، بل حق ينتزع بالنضال الجماعي والإرادة التي لا تنكسر.
** ف . ز












