قبل أيام قليلة من عيد الأضحى، ركبتُ مع زوجتي سيارتنا متجهين من الحسيمة إلى طنجة لقضاء العيد مع ولدينا المقيمين هناك. كان الأمر يبدو بسيطاً ومألوفاً: رحلة عائلية قبل مناسبة دينية عزيزة، وبضع ساعات على الطريق قبل أن نجتمع حول مائدة واحدة. لكن الرحلة تحولت شيئاً فشيئاً إلى شيء آخر. تحولت إلى تأمل طويل في الجغرافيا والسياسة والزمن، وإلى سؤال لم يفارقني طوال الطريق: كيف يمكن لمدينة مغربية أن تبدو بعيدة إلى هذا الحد عن بقية المغرب؟
استغرقت الرحلة ست ساعات ونصف. ليس لأن المسافة شاسعة، ولا لأننا عبرنا صحارى مترامية أو جبالاً يستحيل اختراقها. نحن نتحدث عن أقل من ثلاثمائة كيلومتر بين الحسيمة وطنجة، في بلد استطاع خلال العقود الأخيرة أن يشيد موانئ عالمية، وأن يمد مئات الكيلومترات من الطرق السيارة، وأن يطلق أول قطار فائق السرعة في القارة الإفريقية. ومع ذلك، يظل الوصول إلى الحسيمة أو مغادرتها تجربة مختلفة، كأن المسافر لا ينتقل بين مدينتين، بل بين زمنين مختلفين من التنمية.
كل منعطف في تلك الطريق يثير سؤالاً، وكل حفرة تدعو إلى الاستغراب. كيف يمكن لمنطقة بهذا الجمال الطبيعي النادر، حيث يلتقي البحر بالجبل في واحد من أجمل المشاهد المتوسطية، أن تبقى محاصرة بهذا القدر من صعوبة الولوج؟ وكيف يمكن لمدينة تشكل إحدى أجمل واجهات المغرب البحرية أن تظل مرتبطة بباقي البلاد عبر شبكة طرق لا تواكب لا مكانتها ولا إمكاناتها؟
قد يقول البعض إن الجغرافيا هي المسؤولة. والحقيقة أن الجغرافيا كانت دائماً تحدياً، لكنها لم تكن يوماً قدراً نهائياً. فالتنمية الحديثة قامت أساساً على فكرة التغلب على العوائق الطبيعية لا الاستسلام لها. الجبال لا تعزل الشعوب حين توجد الإرادة السياسية والاستثمار الكافي، والمسافات تتقلص عندما تصبح العدالة المجالية خياراً استراتيجياً لا مجرد شعار يتكرر في الخطب والبرامج والتقارير.
وربما لهذا السبب بالذات يراودني أحياناً شعور يصعب تجاهله: كأن الحسيمة لا تُعامل كمدينة مغربية كاملة الاندماج في الدورة الوطنية للتنمية، بل كأنها نوع من «المحمية الوطنية». ليست محمية بالمعنى الإداري أو القانوني للكلمة، بل بالمعنى الرمزي الذي يثير القلق. فضاء جميل يُحتفى بطبيعته الخلابة، وتُستحضر ذاكرته حين يتعلق الأمر بتاريخ المقاومة وأمجاد الريف، لكنه يظل في كثير من الأحيان خارج أولويات الربط الحقيقي بباقي الوطن. كأن المطلوب منه أن يحافظ على صورته أكثر من أن يشارك فعلياً في صناعة المستقبل.
هذه الفكرة قد تبدو قاسية، لكنها تفرض نفسها حين نقارن بين ما تمثله المنطقة في الذاكرة الوطنية وبين ما تحظى به من اندماج فعلي في دينامية التنمية. فالريف ليس مجرد منطقة من مناطق المغرب. إنه جزء أساسي من تاريخه الحديث. من جباله خرج محمد بن عبد الكريم الخطابي ليقود واحدة من أكثر التجارب التحررية تأثيراً في القرن العشرين، وليُلهم حركات مقاومة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. ومن قراه ومدنه خرجت أجيال من الرجال والنساء الذين ساهموا في بناء المغرب الحديث داخل الوطن وخارجه.
لكن التاريخ، مهما كان مجيداً، لا يعوض طريقاً جيدة. ولا يختصر المسافات. ولا يخلق فرص الشغل. ولا يمنح الشباب أسباباً كافية للبقاء. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة. فكلما ارتفعت قيمة الريف في الذاكرة الجماعية، بدا حضوره في بعض السياسات التنموية أقل مما تستحقه مكانته ورمزيته.
من هنا يتحول الحديث عن الطريق إلى ما هو أبعد من الطريق نفسها. فالبنية التحتية ليست مجرد إسفلت وجسور ومنشآت هندسية. إنها لغة سياسية كاملة. إنها الطريقة التي تعبر بها الدولة عن علاقتها بأقاليمها ومواطنيها. الطريق الجيدة تقول للمواطن إن وقته له قيمة، وإنه جزء من الحركة الوطنية الكبرى، وإن مستقبله مرتبط بمستقبل بقية البلاد. أما الطريق المهملة فتبعث برسالة معاكسة، حتى وإن لم يقصد أحد صياغتها بهذه الكلمات.
ولهذا السبب لا يتعلق الأمر هنا بمجرد التذمر من مشقة السفر. ما يثير القلق هو ذلك الإحساس المتكرر بأن الريف ما زال يعيش، بدرجات متفاوتة، خارج أولويات التنمية الوطنية بالقدر الذي يستحقه. فالمنطقة لا تعاني من نقص في الموارد البشرية ولا في المؤهلات الطبيعية. على العكس من ذلك، قدمت للمغرب أجيالاً من الكفاءات، واحتضنت تجربة إنسانية وسياسية وثقافية لا يمكن فصلها عن الهوية المغربية نفسها.
ومع ذلك، ما زال كثير من أبناء المنطقة يضطرون إلى الرحيل بحثاً عن فرص أفضل. ليس لأنهم لا يحبون أرضهم، بل لأن الأرض التي يحبونها لا تمنحهم دائماً الشروط الضرورية للبقاء. وحين تصبح الهجرة خياراً شبه إلزامي للوصول إلى العمل أو الدراسة أو الخدمات الأساسية، فإن المشكلة لا تكون في السكان، بل في الاختلالات التي تدفعهم إلى المغادرة.
كم من شاب غادر الحسيمة أو المناطق المجاورة نحو طنجة أو الرباط أو الدار البيضاء أو أوروبا، وكان يفضل البقاء لو وجد في منطقته ما يكفي من فرص الشغل وما يكفي من الثقة في المستقبل؟ وكم من أسرة أصبحت تنظر إلى الرحيل باعتباره الطريق الأقصر نحو حياة أكثر استقراراً؟ هذه الأسئلة لا تتعلق بالحنين ولا بالعاطفة، بل ترتبط مباشرة بمفهوم العدالة المجالية وبقدرة الدولة على توزيع فرص التنمية توزيعاً متوازناً بين مختلف جهات المملكة.
لا يحتاج الريف إلى امتيازات خاصة، ولا إلى معاملة استثنائية، ولا إلى خطابات الشفقة. فالمناطق لا تُبنى بالعواطف، بل بالسياسات العمومية والاستثمارات الملموسة. وما يحتاجه الريف اليوم ليس أكثر مما يحتاجه أي جزء من المغرب: طرق حديثة، وربط فعلي بباقي الجهات، واستثمارات تجعل من الجغرافيا فرصة لا عقوبة، ومن الموقع الاستراتيجي رافعة للتنمية لا سبباً إضافياً للعزلة.
عندها فقط ستصبح الطريق بين الحسيمة وطنجة مجرد طريق، لا اختباراً للصبر ولا مناسبة لطرح الأسئلة المؤجلة. عندها فقط سيتوقف أبناء الريف عن الإحساس بأنهم يعيشون داخل «محمية وطنية» غير معلنة، جميلة في الصور والبطاقات البريدية، حاضرة في الذاكرة الوطنية، لكنها ما زالت تنتظر نصيبها الكامل من الاندماج في دينامية التنمية.
أما اليوم، فما زالت تلك الطريق الملتوية تقول أشياء لا تجرؤ الخطب الرسمية على قولها. وما زالت كل ساعة إضافية يقضيها المسافر بين الحسيمة وطنجة تطرح السؤال نفسه بإلحاح: متى تصبح هذه المنطقة جزءاً كاملاً من الجغرافيا التنموية للمغرب، لا مجرد جزء من جغرافيته الطبيعية؟
فالطرق، في النهاية، لا تكذب.
** د: فكري سوسان













