أثار التحاق سليمة الزياني، المعروفة إعلاميا بسيليا، بأحد الأحزاب السياسية وتعيينها مباشرة ضمن هياكله القيادية العليا موجة واسعة من النقاش والاستغراب، ليس فقط بسبب طبيعة الحزب الذي اختارت الانضمام إليه، وإنما بسبب التناقض الظاهر بين الخطاب الذي اشتهرت به خلال سنوات الاحتجاج وبين الموقع السياسي الذي انتهت إليه اليوم.
فحين كانت سيليا تتحدث بلغة رافضة للأحزاب وتقدم نفسها ضمن فضاء احتجاجي يتسم بنقد البنية السياسية القائمة، كان كثيرون يعتبرونها جزءاً من صوت معارض يرفض منطق الاصطفاف الحزبي التقليدي. لكن انتقالها السريع من موقع المنتقد إلى موقع المستفيد من التعيين الحزبي يفرض عليها اليوم مواجهة أسئلة سياسية لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها.
فالسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا تغير؟ هل تغيرت الأحزاب فجأة وأصبحت مؤسسات ديمقراطية ومنحازة لقضايا الشعب؟ أم أن الخطاب السابق كان مجرد موقف ظرفي سرعان ما تراجع أمام إغراءات الاندماج في المؤسسات نفسها التي كانت موضوع نقد لاذع؟
إن الانتقال من موقع الاحتجاج إلى موقع العمل السياسي ليس في حد ذاته جريمة ولا خيانة، بل قد يكون تطورا طبيعيا في المسار النضالي. غير أن ما يثير الانتباه هو الكيفية التي يتم بها هذا الانتقال. فالمناضل الحقيقي، وفق تقاليد العمل الديمقراطي والجماهيري، يشق طريقه وسط القواعد، ويتدرج داخل التنظيم، ويكتسب شرعيته من العمل الميداني ومن ثقة المناضلين. أما القفز المباشر إلى المواقع القيادية بمجرد الالتحاق بالحزب، فإنه يطرح علامات استفهام كبيرة حول معنى الديمقراطية الداخلية وحول القيمة الفعلية لنضالات القواعد الحزبية.
وفي حالة سيليا تحديدا، فإن هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً لأنها لم تلتحق بالحزب كمناضلة قاعدية اختارت خوض تجربة تنظيمية طويلة، بل وجدت نفسها بسرعة في موقع متقدم، وهو ما يمنح الانطباع بأن الرأسمال الرمزي والإعلامي أصبح أهم من التدرج النضالي والعمل التنظيمي.
ومن منظور نقدي يساري جذري، فإن ما نشهده هنا ليس حالة فردية معزولة، بل هو تعبير عن أزمة أعمق يعيشها المشهد السياسي برمته. فالأحزاب التي فقدت قدرتها على التأطير المجتمعي تلجأ إلى صناعة الواجهات الإعلامية واستقطاب الأسماء المعروفة من أجل تعويض ضعفها التنظيمي. وفي المقابل تجد بعض الشخصيات القادمة من فضاءات الاحتجاج نفسها منجذبة إلى مواقع التمثيل السياسي السريع دون المرور عبر المسار الطبيعي للتكوين والتراكم النضالي.
وهنا تصبح سيليا مثالاً على الإشكال الذي يطرحه الانتقال من الشرعية الاحتجاجية إلى الشرعية الحزبية دون المرور عبر الوسائط الديمقراطية المعتادة. فالمسألة لا تتعلق بحقها في الانتماء إلى أي حزب، وإنما بحق الرأي العام في مساءلة هذا التحول ومطالبتها بتفسيره سياسياً وأخلاقياً.
إن القضية الأساسية ليست في حق أي شخص في اختيار موقعه السياسي، وإنما في مدى الانسجام بين الخطاب والممارسة. فمن بنى حضوره الرمزي على نقد البنية السياسية القائمة يصبح مطالباً أكثر من غيره بتقديم تفسير واضح للرأي العام عندما يقرر الاندماج في تلك البنية. فالمصداقية السياسية لا تقاس بالشعارات، بل بقدرة الفاعل على المحافظة على انسجامه الفكري والأخلاقي أمام التحولات والاختبارات.
وإذا كانت سيليا قد اختارت مراجعة مواقفها السابقة، فمن حقها ذلك. لكن من حق المتابعين أيضاً أن يسألوا: لماذا لم تُقدَّم مراجعة سياسية واضحة ومفصلة تشرح للرأي العام أسباب الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر؟ ولماذا يبدو الانتقال في نظر كثيرين أقرب إلى تغيير في الموقع منه إلى تطور معلن في القناعة؟
لقد شهد التاريخ السياسي المغربي والعالمي نماذج عديدة لشخصيات انتقلت من مواقع المعارضة الجذرية إلى مواقع الاندماج المؤسساتي. بعض هذه التجارب كانت نتيجة مراجعات فكرية عميقة ومعلنة، بينما تحولت تجارب أخرى إلى مجرد انتقال من خطاب الاحتجاج إلى خطاب التكيف مع الواقع القائم. وفي مثل هذه الحالات يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل عما إذا كان الأمر يتعلق بتحول فكري حقيقي أم بانتصار البراغماتية السياسية على المبادئ المعلنة.
إن أكثر ما يضعف الثقة في العمل السياسي هو اتساع الهوة بين الأقوال والأفعال. فحين يتحول نقد الأحزاب إلى مجرد وسيلة لاكتساب الشرعية الشعبية، ثم يصبح الالتحاق بهذه الأحزاب طريقاً نحو المواقع القيادية، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية إلى المواطنين مفادها أن السياسة ليست مجالاً للمبادئ بقدر ما هي مجال لإعادة التموضع وتبديل المواقع.
وهنا تكمن خطورة الرسالة التي قد يفهمها كثير من الشباب من تجربة سيليا: فالمشكلة ليست في تغيير المواقف، بل في غياب الوضوح الكافي لتفسير هذا التغيير، وفي ظهور مسافة واسعة بين الخطاب السابق والممارسة الحالية.
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الدائر اليوم يتجاوز شخص سيليا ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بين الحركات الاحتجاجية والمؤسسات السياسية التقليدية. هل الهدف هو تغيير الواقع القائم جذرياً أم البحث عن موقع داخله؟ وهل تتحول شعارات القطيعة إلى مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند أول فرصة للاندماج؟
إن التجارب النضالية تقاس بقدرتها على الصمود أمام إغراءات السلطة والتموقع، لا بقدرتها على رفع الشعارات الرنانة في لحظات الغضب الجماهيري. ولذلك فإن كل انتقال من ضفة الاحتجاج إلى ضفة المؤسسات يظل بحاجة إلى قدر كبير من الوضوح والمساءلة والنقد. فالمجتمعات التي تحترم السياسة لا تحاسب الناس على تغيير آرائهم، لكنها تطالبهم بالانسجام والصدق والوضوح.
تبقى القضية الحقيقية، في الختام، هي قضية المصداقية السياسية. فحين يصبح الخطاب شيئاً والممارسة شيئا آخر، وحين تتحول الشعارات الجذرية إلى مجرد محطة عابرة في طريق الاندماج المؤسساتي، فإن أول الخاسرين ليس الأشخاص ولا الأحزاب، بل الثقة العامة في العمل السياسي نفسه، وهي الثقة التي تحتاجها كل تجربة ديمقراطية حقيقية أكثر من حاجتها إلى الوجوه والشعارات.
** ذ : بوعلي بلمزيان













