في مثل هذا اليوم، قبل مائة عام تمامًا، انطلقت بمدينة وجدة محادثات السلام بين ممثلي الأمير عبد الكريم الخطابي وممثلي الحكومتين الفرنسية والإسبانية. وقد أبان المجاهدون الريفيون، في تلك اللحظة الفاصلة، أنهم لم يكونوا مجرد مقاتلين أشداء، بل كانوا أيضًا مفاوضين على قدر كبير من الذكاء والحنكة.
يسعدني أن أشارك معكم هذه المقتطفات التي خصصتها لهذا الحدث المفصلي في كتابي «منفس موغادور» للذين لم يقرؤونه بعد . أما الصورة المرافقة، فهي توثق لذلك اليوم بعينه .
الثلاثاء 27 أبريل 1926
“أفتتح الاجتماع بشكل رسمي على الساعة التاسعة صباحا. ذهبنا راجلين إلى مقر القنصلية الفرنسية عبر زنقة باريس. عند وصولنا استقبلنا عند المدخل بحفاوة من طرف السيد دي ويتاس، رحب بنا مرة أخرى وقدمنا لمساعديه، ثم دعانا لمرافقته طالبا من أزرقان، معتذرا، أن يتقدم هو الأول:
– لا، لا، أنت الأول السيد أزرقان، تفضل أرجوك، أنا هنا في بيتي.
في حديقة المبنى لاحظت العدد الكبير من الصحفيين الذين جاؤوا من كل جهات العالم. الصحافة الأمريكية كانت حاضرة إلى جانب صحف باريس، مدريد ولندن. بعد ربع ساعة دعانا السيد دي ويتاس إلى ولوج قاعة الاجتماع. كان الجنرال سيمون قد سبقنا للجلوس على طاولة طويلة من خشب الأكاجو، كان منحنيا وبأصابعه البيضاء الطويلة يتصفح بتمعن عدة ملفات وضعت أمامه. عند دخولنا رفع رأسه وانتبه لحضوري فابتسم لي ابتسامة صغيرة. جلس إلى يمينه السيد لوبيز أوليفان وعلى يساره السيد دي ميغل، السيد بونسو والسيد أكيلا. أمامهم وضعت طاولة مستطيلة مخصصة لوفدنا، أزرقان تربع في الوسط، شيدي على يمينه وأنا على يساره وعلى الجانبين وضعت طاولات الكتاب والمترجم.
انطلقت أشغال الاجتماع الأول على الفور بتناول الكلمة من طرف الجنرال سيمون. بدأ بالترحيب بنا قبل أن يلقي خطابه الرسمي باسم الوفدين الفرنسي والاسباني. بدا لي هادئا وهو ينطق ببطيء ولكن بفصاحة رفيعة وعيناه مصوبتان في اتجاهنا، مع الرجوع بين الحين والآخر إلى الأوراق المتناثرة أمامه ليلقي نظرة خاطفة على النقط المدرجة في جدول خطابه. بعد أن أشار بقوة إلى كل القضايا المطروحة للتداول فيها اليوم، أكد على رغبة الحكومتين الفرنسية والإسبانية ونواياهما الحسنة في تحقيق السلم. بعد هذه المقدمة القصيرة، فجأة غير نبرة صوته، أصبحت قوية وأقرب للتهديد، فانطلق يملي علينا شروط السلام التي اتفقت عليها الحكومتان. ذكرنا بخطوطها العريضة التي تم التطرق إليها في مرحلة أولى خلال اللقاءات التمهيدية في كل من معسكر بيرتو والعيون.
مباشرة بعد توقف الجنرال عن الكلام اتجهت الأنظار نحونا كإشارة إلى حلول دورنا في الرد. وأمام السكون الرهيب الذي أرخى بظلاله على القاعة، همست في أذن أزرقان بأن يكسر هذا الصمت لأخذ الكلمة ويطلب تعليق الجلسة مؤقتا والانسحاب لدقائق بهدف التشاور وإعداد الرد المناسب. لم يلتفت أزرقان إلى مطلبي وفاجأني بصيحة عالية والتي دوت في كل أركان القاعة:
– الوفد الريفي الذي أمثله لا يمكن أن يقدم لكم ردودا أخرى سوى تلك التي قدمناها في بيرتو والعيون. أما الباقي فنحن مجبرون على العودة مرة ثانية لرئيسنا، فهو الوحيد القادر على البث فيه.
رميته بنظرة حادة تعبر عن الرفض ورأيت عيناه تشعان بالانزعاج. موقف أزرقان لم يكن مفهوما ولم يسبق أن اتفقنا عليه من قبل. كل ما أصبحت أخشاه بعد تدخله المتهور أن يؤدي إلى وضع حد للحوارات الودية التي أجريناها مع محاورينا. خفت أن ينسحبوا أو على الأقل أن يتشددوا أكثر في مطالبهم.
ابتسم الجنرال سيمون لأزرقان ابتسامة مليئة بالازدراء:
– أشكرك على اقتراحك، وأدعوكم لرفع الجلسة حالا. لقد وضعت غرفة مجاورة تحت تصرفكم وأمنحكم خمسة عشر دقيقة للتشاور واتخاذ قراركم، نحن في انتظار ردكم.”…
” تواصلت المناقشات بعد الظهيرة وافتتحت الجلسة على الساعة الرابعة. في البداية نوقشت قضيتان حيث كان الاتفاق حولهما صعبا للغاية: قضية نزع السلاح وقضية إبعاد الأمير. تم التطرق كذلك لمسألة الإجراءات الخاصة التي يجب اتخاذها من أجل الحفاظ على الأمن واحترام المعاهدات الدولية. كما تبادلنا وجهات النظر حول احترام الهدنة السارية منذ 18 أبريل. بمجرد ما أدلى الوفدان الاوربيان باقتراحاتهما حول القضية الأولى حتى طالبنا مرة أخرى الانسحاب نحو الغرفة التي خصصت لنا للتشاور. قبل طلبنا وتم تعليق الجلسة التي لم تواصل إلا بعد الساعة الخامسة بدقائق.
عند مناقشة مسألة نزع السلاح، تدخل أزرقان. استهل مداخلته بالتساؤل عمن سيتكلف عمليا بنزع السلاح من محاربينا؟ أقر الوفدان الفرنسي والإسباني بعدم توفرهما على الإمكانيات للقيام بذلك، لذلك اقترحا إرسال لجن مختصة للريف مصحوبة بفرق عسكرية. عارض أزرقان فورا الاقتراح وقال بنبرة تصالحية وهو يرفع كفيه نحو السماء:
– وجود قواتكم العسكرية على أرضنا سيؤدي إلى صراعات لا نهاية لها، وعليه فلا يمكن لنا قبول هذا الشرط. في المقابل يمكننا أن نتكلف نحن بأنفسنا بمسألة نزع السلاح لأن الأمير وحده من له السلطة المادية والمعنوية الضرورية على جمع سلاح القبائل، فهو وحده القادر على إقناعها.
بعد انتهاء أزرقان من كلمته، لاحظت أن السيد أوليفان كان يهمس للجنرال سيمون في أذنيه، وليطمئن الوفد الفرنسي تدخلت:
– نحن موافقون على اللجن التي سترسلونها لمراقبة نزع السلاح لكن من المستحيل أن تتخذ مظهرا عسكريا. في المقابل نحن مستعدون، إذا رغبتم في ذلك، تسليمكم رهائن لتبديد أي قلق يساوركم بشأن الطريقة التي سنستقبل بها الأعضاء المدنيين المكونين لهذه البعثات.
ألقى تدخلي هذا على الاجتماع ظلالا من عدم اليقين. متأكدا من أنه زرع نوعا من الشك لدى محاورينا خاصة الفرنسيين، تابعت كلامي قائلا:
– عليكم أن تعلموا أن هذه البعثات التي سترسلونها إلى الريف لنزع سلاح القبائل، سواء كانت محمية من طرف فرق عسكرية أو غير محمية فهي تنتظرها مهمة صعبة ومليئة بالمزالق. يمكننا مساعدتكم وبموافقة الأمير على استرجاع المدافع وذخيرتها وكذلك المتفجرات الموجودة في المستودعات، لكن بأي طريقة يمكن إقناع القرويين على التخلي عن بنادقهم التي يعتبرونها إلى جانب حريتهم أسمي ما يملكون. إنهم يتشبثون بها أكثر مما يتشبثون بأرواحهم؟ أنتم مخطئون إذا اعتقدتم أن القبائل يمكن أن تقبل لحظة هذا البند.
توقف الاجتماع لفترة قصيرة ثم انطلقت المناقشات وتناولت خصائص الحكم الذاتي التي اقترحتها الحكومتان الفرنسية والإسبانية لتطبيقها في الريف مستقبلا. قبيل الساعة السادسة قرر الجنرال سيمون رفع الجلسة واستئنافها في الغد على الساعة التاسعة. افترقنا، ويظهر أننا لم نحقق أي تقدم جدي خلال هذا اليوم الصعب من المفاوضات. قبل رفع الجلسة ومغادرة القاعة تناول ممثل إسبانيا الكلمة معاتبا بكون الأمير لازال يرسل مزيدا من الجنود الشباب ا
لى الجبهة الغربية لتدعيم مواقعه في منطقة تطوان. كان أزرقان يستعد ليرد عليه لنفي هذه الاتهامات، فأشرت عليه بتجاهل هذا الاستفزاز الإسباني لأنه لن يكون الأخير.”
** د : امحمد لشقر امرابو














