أثارت التصريحات الأخيرة للرفيق عمر باعزيز، عضو المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي، بشأن إمكانية مشاركة الحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 2026 ، والمنشورة على الموقع الإلكتروني “سفيركم”، أثارت نقاشا واسعا داخل صفوف اليسار المناضل والحركة الديمقراطية المغربية. غير أن القراءة المتأنية لهذه التصريحات تفرض التمييز بين الإمكان النظري للمشاركة وبين الموقف السياسي الملموس الذي تحدده الأجهزة التقريرية للحزب انطلاقا من تحليل الواقع الملموس والصراع الطبقي القائم.
فالنهج الديمقراطي العمالي لم يعتبر يوما أن مقاطعة الانتخابات مبدأً عقائديا مجردا أو موقفا ثابتا خارج شروط الزمان والمكان، لكنه في المقابل ظل يؤكد أن المشاركة في أي استحقاق انتخابي لا يمكن أن تكون ذات معنى إلا إذا توفرت شروط سياسية وديمقراطية تتيح للشعب المغربي التأثير الحقيقي في القرار السياسي وصنع السياسات العمومية. أما في ظل الأوضاع الحالية، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بالمشاركة أو المقاطعة في حد ذاتهما، بل بطبيعة النظام السياسي القائم وحدود المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات.
لقد راكمت الحركة الديمقراطية المغربية، ومن ضمنها النهج الديمقراطي بمختلف امتداداته التاريخية، تجربة طويلة أثبتت أن الانتخابات في المغرب ظلت في أغلب المحطات أداة لإعادة إنتاج نفس البنية السياسية والاقتصادية، لا وسيلة للتغيير الديمقراطي الحقيقي. فموازين القوى الفعلية لا تحسم داخل البرلمان أو الجماعات الترابية، وإنما خارجها، حيث تستمر مراكز القرار الحقيقية في التحكم في السياسات الكبرى للدولة وفي رسم حدود الفعل السياسي المسموح به.
إن الحديث عن إمكانية المشاركة الانتخابية لا يمكن فصله عن واقع يتسم باستمرار التضييق على الحريات العامة، ومصادرة الحق في التنظيم، ومنع عدد من الأنشطة السياسية والجمعوية، والتضييق على المناضلين والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. ولذلك فإن المقاطعة، بالنسبة للنهج الديمقراطي العمالي، ليست موقفا سلبيا أو انسحابيا، بل شكل من أشكال النضال السياسي والاحتجاج الديمقراطي ضد مؤسسات فاقدة للسيادة الشعبية الحقيقية.
وإذا كان المقال نفسه يشير إلى حرمان شبيبة الحزب من حقها القانوني في التنظيم، وإلى منع أنشطته من استغلال الفضاءات العمومية، فإن ذلك يشكل دليلا إضافيا على استمرار المقاربة السلطوية للدولة في تدبير الحقل السياسي. فكيف يمكن الحديث عن تنافس انتخابي حر ونزيه بينما يحرم جزء من القوى السياسية من أبسط شروط العمل السياسي المشروع؟
إن النهج الديمقراطي العمالي ظل يعتبر أن أي عملية انتخابية لا تسبقها إجراءات سياسية جوهرية، من قبيل ضمان الحريات الديمقراطية، ورفع القيود عن التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الحركات الاجتماعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، تبقى عاجزة عن إنتاج تحول ديمقراطي حقيقي.
كما أن التجارب المتراكمة منذ عقود أظهرت أن الدولة لم تتجه نحو توسيع المجال الديمقراطي بقدر ما عملت على تدبير التوازنات السياسية عبر آليات الاحتواء وإعادة إنتاج النخب وتفتيت قوى المعارضة، وهو ما جعل المؤسسات المنتخبة عاجزة عن الاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة المرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والعدالة المجالية.
ومن هذا المنطلق، فإن الموقف التاريخي للنهج الديمقراطي العمالي لم يكن رفضا ميكانيكيا للانتخابات، بل رفضا لتوظيفها كواجهة ديمقراطية تخفي استمرار الاستبداد السياسي والهيمنة الاقتصادية للكتلة الطبقية السائدة. فالرهان المركزي للحزب ظل دائما هو بناء ميزان قوى شعبي ديمقراطي مستقل، قادر على فرض الإصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية من خلال النضال الجماهيري والتنظيم الشعبي.
إن المعركة الحقيقية ليست معركة مقاعد برلمانية أو مواقع انتخابية، بل معركة من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الشعبية. ولذلك فإن أي قرار بالمشاركة أو المقاطعة ينبغي أن يقاس بمدى خدمته لهذه الأهداف الاستراتيجية، لا بمدى اندماجه في قواعد لعبة سياسية ما زالت تتحكم الدولة في شروطها وحدودها ومخرجاتها الأساسية.
وعليه، فإن ثبات النهج الديمقراطي العمالي على خطه النضالي يقتضي التأكيد بأن المقاطعة تظل الموقف الأكثر انسجاما مع الواقع السياسي القائم ما دامت الشروط الموضوعية لانتخابات ديمقراطية حقيقية غير متوفرة، وما دام الشعب المغربي لم يحصل بعد على الضمانات السياسية والدستورية التي تجعل من صناديق الاقتراع أداة فعلية للتغيير الشعبي والديمقراطي.
ذ – أبوعلي بلمزيان.













