مع حلول 27 ماي 2026، تكون قد مرت 100 سنة على التقاط هذه الصورة في ترجيست. وكما يبدو من خلالها إحساس بالفخر لدى هؤلاء الضباط وهم يلتقطون صورة تذكارية مع هذا المقاتل “المتوحش”، كما كان يطلق عليه بعض الإعلام. على يسار عبد الكريم يتكئ الكولونيل كوراب على عكازه، وآثار التعب بادية على وجهه، وبينهما اليوتنان دولاغوزيي، وعلى يمين عبد الكريم يقف اليوتنان مارتيني، ويبدو مذهولا كما لو أنه لم يصدق اللحظة. وعلى يمين هذا الأخير القبطان سوفران، ومباشرة وراءه اليوتنان بوشيي. وفي أقصى اليسار امحمد الخطابي (قائد أركان الجيش الريفي). مع الإشارة إلى أن الشخص الموجود بين عبد الكريم واليوتنان مارتيني هو عبد الكريم بنزيان.
عندما علم الإسبان بسقوط عبد الكريم أسيرا في يد الفرنسيين، تجمع العديد منهم أمام القصر في مدريد مطالبين بتسليمه لإسبانيا والقصاص منه. أحس الإسبان عموما، ومعهم مؤسستهم العسكرية، بالإذلال مرة أخرى لأن عبد الكريم تشبث بموقفه وأصر على عدم التعامل معهم. بل إن بعض الإعلام الإسباني طالب هؤلاء الضباط الفرنسيين والإعلام الفرنسي عموما بإنصاف إسبانيا، لأن هذا النصر كان إنجازا مشتركا وليس لفرنسا وحدها.
وحتى يمتحنوا المؤسسة العسكرية الفرنسية إن كان الأمر كذلك (نصرا مشتركا)، اتصلت قيادة الجيش الإسباني في مليلية بقيادة الجيش الفرنسي في تازة لإخبارها بأن ضباطا من الاستخبارات الإسبانية في طريقهم من مليلية إلى تازة من أجل استنطاق عبد الكريم على خلفية بعض “الجرائم” التي اقترفها في حق أسراهم، كما سموها. وعلى ضوء ذلك اتصل القائد الفرنسي في تازة بالمقيم العام تيودور ستييغ طالبا منه تحديد الموقف. فأجابه هذا الأخير بأن فرنسا لن تسمح بذلك، وأرسل موقفه كتابة قبل أن يصل عبد الكريم إلى تازة. وفي 29 ماي وجه ستييغ رسالة إلى القيادة العليا للجيش في تازة جاء فيها: “وصلنا خبر أن الضباط الإسبان في طريقهم إلى تازة من أجل استجواب عبد الكريم، وكذا لقاء الأسرى الإسبان الـ120. نكرر أن السيادة ترجع إلى السلطان على المنطقتين، وحتى منطقة الحماية الإسبانية (…)، وعبد الكريم يعتبر أسير حرب، سنحفظ كرامته ولن يتم التشهير به”.
ومن خلال هذه الرسالة القصيرة سيعتبر عبد الكريم، ولأول مرة، “أسير حرب”، وتم قطع الطريق على الموقف الإسباني الذي كان يعتبر عبد الكريم “مجرم حرب”. وقد كرر ستييغ ذلك لاحقا في العديد من مراسلاته عندما كان عبد الكريم في لاريونيون. ولم يكن الموقف الفرنسي صدقة، بل استجابة للضغط العالمي الذي كان يعتبر عبد الكريم مقاتلا شريفا من أجل الحرية.
لم يقتصر المنفى القسري على عائلة الخطابي وحدها، بل شمل العديد من المقاومين وأفراد عائلاتهم. فعلى سبيل المثال، تم نفي المجاهد الشريف محمد بن علي الخمليشي، الملقب بسليطن، وعائلته إلى مدينة أزمور. وكان سليطن ضمن قادة صنهاجة سراير، واليد اليمنى لعبد الكريم في الجبهة الغربية. وقد تم نفيه هو و26 من أفراد أسرته وعائلته بعد أن رفضت السلطات الإسبانية منحهم اللجوء في وزان، علما أن وزان كانت تابعة لفرنسا.
كان لعبد الكريم طول نفس، ولم ينكسر رغم قساوة المنفى والغربة والطقس والأوبئة في جزيرة لاريونيون…
** ** ذ : جمال الكتابي













