يعتبر تدبير التعدد اللغوي في المغرب موضوعا إشكاليا على مستويات عدة، وهو ما دفع العض للحديث عن “فوضى لغوية”، أو “تلوث لغوي” وحتى “”عذاب أو صدمة لغوية Traumatisme linguistique”. علميا، كل هذه الأوصاف غير مقبولة، لأنها تحمل أحكاما سلبية على وضعية صفتها التعدد والتنوع باعتبارها الشيء الطبيعي في المجتمع الإنساني، وفي المقابل لا تحدث “الوحدة”، إلا قسرا، باعتبارها نتاج تدخل خارجي وفق صيرورة تاريخية فرضت في سياق الهيمنة ما تم اعتباره معيارا أو لنقل قالبا على الجميع الاستسلام له. ولذلك حوربت أديان ولغات وممارسات ثقافية تم النظر إليها بكونها تخذش الوجه الموحد المراد فرضه، إما باسم الدين أو الإقتصاد أو السياسةأو باسم الوحدة، التي لا يمكن أن تتحقق لدى البعض إلا بفرض نموذجه الخاص وما يؤمن به، ولذلك لم يكن شعار “الوحدة في التنوع” ضمن المعجم المقبول.
لقد إتضح تاريخيا أن كل لغة تحتاج جماعة ضغط Lobby للدفاع عنها، وظهرت الحاجة أكثر لهذه الجماعات بعد ظهور ما يسمى “السياسة اللغوية”، أي قرارات سياسية لتدبير التعدد اللغوي في بلد ما. وعلى هذا المستوى فجماعات الضغط هذه تعتمد على استراتيجيات وتستثمر كل الإمكانيات لكي تجعل من اللغة التي ترتبط بها مصالحها تستفيد من القرارات السياسية المتخدة. ويعتبر موضوع اللغات في المغرب من المواضيع التي تتدخل فيها عدة مؤسسات، إن بشكل مباشر غو غير مباشر، ونذكر منها (وزارة التعليم الأولي، وزارة التعليم العالي، المجلس الأعلى للتعليم، معهد التنسيق والتعريب، المعهد الملكي للثقافة الغمازيغية، وزارة الثقافة)، في انتظار أكاديمية محمد السادس للغة العربية والمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. وربما عدم إخراج هاتين المؤسستين الأخيرين إلى الوجود، رغم وجودهما القانوني، دليل على صعوبة تدبير هذا الموضوع، الذي وضع دستور
2011إطاره العام، من خلال اعترافه برسمية اللغتين العربية والأمازيغية، وبالتنويعات اللسنية المغربية، والانفتاح على اللغات الأكثر استعمالا في العالم، ذون تحديدها. ولذلك ترك الباب مفتوحا للتدافع المجتمعي ولتدخل اللوبيات للدفاع عن هذه اللغة أو تلك. فلوبي اللغة العربية معروف، وطنيا ودوليا، ووراء هذه اللغة عدة دول، تدعمها بطرق شتى، وتخلق لها معاهد ومؤسسات وجوائز. والمنتمون لجماعة الضغط هذه لا تدرس بالضرورة هذه اللغة لأبنائها، الذين قد يكون لهم اختيارات لغوية مخالفة. أما الفرنسية، فتستفيد من لوبي عالمي حول الفرنكوفونية، بقيادة فرنسا، كما تستفيد من ضغط اللوبي السياسي و الاقتصادي المرتبط بفرنسا، ولذلك يستطيع هذا اللوبي تمرير قرارات لصالح اللغة الفرنسية مستفيدا من الإرث التاريخي لفترة الحماية الفرنسية وما بعدها، كما تساهم المعاهد الفرنسية الثانويات التابعة لها المنشرة في المدن الكبرى في تعزيز مكانة هذه اللغة. وكل محاولة لزعزعة موقعها تكون له تبعات أخرى في عدة مستويات. وهذه اللغة تجد نفسها محاصرة من طرف اللغة الإنجليزية، حتى داخل فرنسا نفسها. والإنجليزية لا تحتاج لاعتراف دستوري ولا إلى دين لتفرض نفسها، بل إقناع الجميع، عن خطأ أو عن صواب، أن مفتاح النجاح مستقبلا يمر عبر هذه اللغة. وقد تجد من بين المدافعين عنها بعض المدافعين عن العربية، ضد على الفرنسية التي يرون فيها استمرارا للتبعية الإستعمارية، وفي محاربتها دعم لحظور اللغة العربية. وتبقى اللغة الأمازيغية العنصر الأضعف في هذه المعادلة، إذ ليس لديها لا لوبي اقتصادي، ترتبط مصالحه بهذه تللغة، ولا لوبي سياسي قد يستفيد شيئا ما من الدفاع عنها. ولا تعتمد إلا فعاليات المجتمع المدني، مستفيدة بخطاب ثقافي هوياتي واستنادا على خطاب حقوقي عالمي. وهي أيضا لغة لا يحميها تيار دولي قوي من قبيل “الفرنكوفونية” أو “العربوفونية”، ولا توجد دولة أو دول تحمل لواءها عالميا، وتوفر لها الإمكانيات المادية الضرورية. وحتى المدافعين عنها، قد لا يستطيعون ضمان نقلها لأبنائهم، الذين بدورهم يفضلون اختيارات لغوية أخرى.
وفي خضم هذا الوضع تعيش الدارجة وضعا أكثر ارتياحا، فهي تأخد من جميع اللغات بشكل سلس، وخلقت لنفسها هوية خاصة، تفرض نفسها لغة للتواصل الشفوي اليومي، مع محاولات قليلة لاتقعد والكتابة، ولا تسعى لا لأن تكون لغة دستورية ولا لغة علم، ولا تحتاج حتى للوبي يدافع عنها، رغم كل ما يقال في هذا الجانب. ومع ذلك هي أول ما يتعلمها السائح أو الأجنبي المستقر بالمغرب.
يبدو أن اللغة التي لا تتوفر على لوبي قوي (سياسي أو اقتصادي أو ديني أو هوياتي) يرتبط بها، وتتشابك مصالحه معها، ويجد مبررات قوية للدفاع عنها أو على دولة أو دول تحمل لواءها لن تستطيع الصمود مستقبلا.
** د : حسن بويعقوبي














