أعادت الأمطار الغزيرة التي هطلت في يناير قضية المياه إلى صدارة النقاش العام في المغرب. امتلاء السدود، وطفح الأودية، وصور المياه “المفقودة” في البحر: خلف هذه المشاهد، تتكشف حقيقة أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها البنية التحتية والمناخ والتوازنات الطبيعية.
**بلدٌ أكثر استعدادًا مما تتصور:
يمتلك المغرب، بسعة تخزينية تبلغ حوالي 16.7 مليار متر مكعب، أحد أكبر أنظمة السدود في المنطقة. وبالمقارنة، يتفوق المغرب على فرنسا (حوالي 11-12 مليار متر مكعب) وجيرانه في المغرب العربي، ويأتي خلف إسبانيا (حوالي 56 مليار متر مكعب)، عملاق أوروبي حقيقي في تخزين المياه.
يستطيع سد الوحدة وحده استيعاب ما يقارب 3.8 مليار متر مكعب، أي أكثر من ثلاثة أضعاف حجم أكبر سد فرنسي. البنية التحتية متوفرة، لكن فعاليتها تعتمد بشكل أساسي على… الأمطار.
** يناير، شهرٌ حاسم:
هطلت أمطار غزيرة خلال العواصف الشتوية، تجاوزت 4 مليارات متر مكعب، مما رفع المخزونات الوطنية إلى حوالي 8.6 مليار متر مكعب، أي ما يزيد عن 51% من سعتها في نهاية يناير. وفي عام واحد فقط، تضاعفت الكميات المخزنة تقريبًا.
عادت العديد من الأحواض إلى مستوياتها الطبيعية، منهيةً بذلك فترة طويلة من شح المياه. لكن الحدث الأهم ليس كميًا فحسب، بل جغرافيًا أيضًا.
** عندما تُغير الأمطار الخريطة:
على مدى أكثر من أربعين عامًا، لاحظ الباحثون في المغرب هجرة الأمطار من الجنوب إلى الشمال. لطالما حظيت منطقتا الريف والمحيط الأطلسي بمعظم الأمطار، بينما شهد الجنوب وجبال الأطلس انخفاضًا في انتظام هطول الأمطار، لا سيما الثلوج.
أما شتاء 2025-2026، فقد أرسل إشارة معاكسة. فقد عادت الأمطار لتؤثر على الجنوب وسلاسل الجبال، مع زيادة ملحوظة في تساقط الثلوج في شرق الأطلس الكبير. يُعدّ الثلج خزانًا استراتيجيًا: فهو يُطلق الماء ببطء في فصلي الربيع والصيف، عندما تكون الاحتياجات الزراعية والمائية في ذروتها.
**لماذا ندع الماء يتدفق إلى البحر؟”:
مع كل فيضان، يبرز السؤال نفسه: لماذا لا نحتفظ بكل الماء؟ يكمن الجواب في مبدأ بسيط: استمرارية اليابسة والبحر.
عندما يصل الماء إلى البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي، فإنه لا يُفقد. تحمل الأنهار والأودية الطمي الغني بالمواد العضوية والعناصر النزرة. تُغذي هذه الرواسب العوالق، وهي أساس السلسلة الغذائية البحرية، التي تعتمد عليها يرقات الأسماك. هكذا تُجدد مخزونات الأسماك وتُحافظ على النظم البيئية الساحلية.
إنّ منع هذه التدفقات بشكل منهجي من شأنه أن يُستنزف السواحل ويُضعف الموارد البحرية. السماح بتدفق بعض الماء إلى البحر ظاهرة طبيعية وعادية وضرورية.
** التحدي الحقيقي: إدارة المياه المتحركة
أمطار يناير لا تُحلّ كل شيء. تُعدّ هذه التحديات بمثابة تذكيرٍ أساسي بأنّ أزمة المياه في المغرب لا تقتصر على السدود فحسب، بل تشمل أيضاً تقلبات المناخ، والتوزيع المكاني للمياه، والإدارة التكيفية.
ففي بلدٍ قد تقطع فيه الأمطار مئات الكيلومترات في غضون عقودٍ قليلة، لا يُكتفى بتخزين المياه فحسب، بل يجب فهمها، وتقاسمها، وإدارتها.













