كتب الأستاذ أحمد مرزاق تدوينة عبر فيها عن اندهاشه من صمت الحشد الإلكتروني عن إثارة قدر من «الشوشرة» حول ترجمتي: دراسة في أدب الأمازيغ (2024)، أسوة بما نالته ترجمة الأستاذ عبد الرحيم حزل: الأمازيغ والمخزن (2026)، رغم اشتراك العملين معا في إحداث تغيير (حسب كلامه) على مستوى عتبة العنوان الأصلي (المصدر). وكنت قد قرأت، قبل ذلك، تدوينة أخرى للأستاذ عثمان بن شقرون، نالت نصيبا وافرا من التداول، عنوانها: «حينما تسقط الترجمة في فخ الأنسنة الإيديولوجية»، ينتقد فيها استخدام المترجم عبد الرحيم حزل لفظ الأمازيغ، في ترجمته، عوض لفظ «البربر».
وقد ترددت، بداية، في التفاعل مع فحوى التدوينتين، لما صار ينتابني، منذ أشهر، من فقد الحافزية في التدوين الرقمي الرصين، قبل أن أقرر الخوض في هذا النقاش، تقديرا لجسارة الطرح الأكاديمي وشيوعه، وحرصا على تقاسم حجتي وتقديري، راجيا أن يسهما معا في فض قدر من اللبس المصطلحي المحيط بالتسمية موضوع الجدل، وبيان الدافع المعرفي الذي وجه صنيعي الترجمي.
وإني أظن، بداية وأساسا، أن إشكالية ترجمة مصطلح «Berbères» تتجاوز حدود المفاضلة المعجمية لتلامس أخلاقيات المسؤولية في العلوم الإنسانية، وحجتي في ذلك أن المترجم ليس مجرد ناقل ألفاظ مكلف بإجراء عمليات عبر لسانية جافة، ولكنه وسيط معرفي يملك حق تنقية النص، في حالات خاصة، من بعض شوائب الوصم والمركزية، وإن وجب القول إن هذه التنقية، بالمعنى الذي نرمي إليه، ليست خيارا ذاتيا أو رغبة عاطفية في نزع الروح الكامنة في العمل المترجم، ولكنها فعل منهجي مشروط بمسوغات موضوعية وقرائن تاريخية.
تتأسس مرافعة استبدال Berbères بالأمازيغ في الترجمات العلمية الرصينة على ركائز حجاجية عديدة، يستند بعضها إلى تقاليد عريقة أرساها العقل الترجمي العربي الذي رفض دائما خيار الرضوخ المطلق لمصطلحات الآخر الواصمة، ولعل التجربة التاريخية في مواجهة مصطلح «Le Mahométisme (المحمدية)» هي البرهان الأسطع. فكما انتفض المترجمون والمفكرون العرب ضد هذا المصطلح الاستشراقي الذي يسقط قياسات المسيحية على بنية الإسلام، وأصروا على استبداله بلفظ الإسلام، حتى في ترجمات الكتب الاستشراقية الكلاسيكية، وفاء لجوهر العقيدة وتسميتها الذاتية، فإن الإنصاف يوجب اليوم رفض لفظ «البربر»، بوصفه صناعة لسانية خارجية، والانتصار للأمازيغ باعتباره اسما هوياتيا أصيلا.
ولسنا نعدم في الحقل التاريخي حججا دامغة، إذ قدم المترجمون العرب درسا مفيدا ذا صلة في التعامل مع مصطلح الحروب الصليبية (Les Croisades). فعلى الرغم من أن المصطلح غربي بامتياز ويعكس «قداسة» الغزو في نظر أصحابه، إلا أن المترجمين والمؤرخين العرب (سواء في العصور الوسطى أو في حركة النهضة) فضلوا استخدام حروب الفرنجة أو غزو الإفرنج. وما من شك في أن هذا الاختيار كان فعلا سياديا يرفض تبني أيديولوجيا المعتدي المخبأة في ثنايا المصطلح. وبالقياس، فإن الإصرار اليوم على لفظ «البربر» بدعوى الأمانة السياقية يشبه الإصرار على تسمية «الغزو الصليبي» بالحروب المقدسة؛ وهو أمر يرفضه العقل العربي الذي يدرك أن المترجم محقق وليس مجرد صدى.
هذا، ولنا في مسار التحيين الجيوسياسي وتفكيك المركزية الأوروبية حجة أخرى، فقد تم التخلي جذريا، في الدراسات الدولية المعاصرة، عن مصطلح «الشرق الأدنى» لصالح غرب آسيا أو المشرق العربي، وذلك انطلاقا من إدراك المترجم الأكاديمي بأن الشرق الأدنى ليس حقيقة جغرافية بقدر ما هو وجهة نظر بريطانية أو فرنسية قديمة جعلت العالم يدور في فلك عواصمها. وبإعمال القياس، وهو واجب في هذه الحالة، فإن لفظ «البربر» ليس سوى صدى للتبعية اللسانية لليونان والروم الذين وصموا كل قوم لا يتحدث لسانهم بالبربر، ومعنى ذلك أن ترجمته اليوم بلفظ الأمازيغ يغدو فعلا تحريريا للمكان والإنسان من الرؤية الاستعمارية القديمة، وسعيا مكينا إلى إعادة الاعتبار للكينونة الجغرافية والبشرية في استقلالها عن أي مركزية إثنوثقافية برانية.
ويتسع أفق هذه المرافعة العجلى ليلتقي مع المعيار الأنثروبولوجي العالمي الذي يكرس حق الشعوب في تسمية نفسها، وهو ما يتجلى بوضوح في التحول التاريخي من لفظ «الإسكيمو» إلى لفظ الإنويت، فبعد قرون من استخدام لفظ «الإسكيمو» (الذي يعني آكلي اللحم النيئ)، انصاع المترجمون والباحثون المعاصرون لإرادة أصحاب الأرض الذين اختاروا اسما يعني البشر في لغتهم. وبالتبع، فإن المترجم الرصين الذي يرفض اليوم استخدام «إسكيمو» وفاء لكرامة الإنسان في القطب الشمالي، يجد نفسه ملزما أخلاقيا برفض لفظ «البربر» الذي يحيل لغويا على العجمة والهمجية، والانتصار للفظ الأمازيغ، تأكيدا على أن الأمانة مطلوبة لحماية الموصوف (المرجع) من تشويه حقيقته الوجودية، وليس لحماية تاريخية اللفظ الواصف المستعلي الأرعن.
أما الذين يتشبثون بلفظ «البربر» حفاظا على تاريخية التسمية، فإني أراهم في غيابات مأزق لا مهرب منه، إذ لا أتخيل أن يجرؤ أحدهم اليوم على ترجمة العنوان الشهير للعلماء الفرنسيين (Description de l’Égypte) ب «وصف ديار القبط» بدعوى الأمانة للجذر اللاتيني (Aegyptus)، لاسيما وهم يعاينون كيف لفظ الوعي القومي المصري هذا الاختزال الذي يحول الوطن إلى أثر متحفي أو اختزال طائفي، وانتصر لاسم مصر الذي يعبر عن كينونة الموصوف لا عن لسان الواصف. فلماذا يغدو الأمازيغي وحده مرتهنا لعجز اللسان الأجنبي؟
وقبل ذلك، كيف يكون ردهم على ما نلمسه في التعامل مع عدد من المراسلات السلطانية المغربية الموجهة نحو الخارج خلال فترات من تاريخه؟ ففي وثائق رسمية حررت بالعربية بختم سيادي، كما هو الشأن في معاهدة السلام والصداقة مع إسبانيا سنة 1767م، نجد السلطان سيدي محمد بن عبد الله يسمى بلقب «سلطان مراكش». فهل يسوغ لباحث رصين اليوم أن يعتبر هذا اللفظ تعريفا حقيقيا لهوية الدولة، أم أنه يدرك يقينا بأن السلطان كان يجاري عجزا لسانيا لدى الآخر الذي اختزل وطنا في اسم مدينة؟
إن المترجم الذي يحين «سلطان مراكش» بـ «سلطان المغرب» لا يفعل ذلك بدافع عاطفي، بل بناء على استقراء موضوعي لحقيقة السيادة الجغرافية الوطنية، وبالمثل، فإن استبدال لفظ «البربر» بلفظ «الأمازيغ» هو استرداد معرفي لكينونة شعب سكن زنزانة اشتقاقية فرضها الآخر، وانتصار لجوهر الموصوف فوق أداة الجهل التي سكنت لسان الواصف. إننا هنا لا نعتدي على النص، بل نحرره من عوارض اللحظة التاريخية لنمنح المسميات حقها في أسمائها الأصيلة التي لا تشوبها شائبة الوصم أو القصور.
أما الاعتراض القائل بضرورة الإبقاء على لفظ «البربر» حفاظا على أمانة السياق وحمولته الكولونيالية، فيبدو اعتراضا مجافيا للأمانة التي يدعي الاستعصام بها، أولا لأن الترجمة الأدق والأوفى للمصطلح الأعجمي ليست هي البربر بل البيربير، فالأولى تحيل على تمثلات الذاكرة العربية الوسيطية بكل حمولاتها الخاصة، بينما تمثل الثانية الصدى الصوتي للفظ الأجنبي كما تشكل في وعي أهله، وبذلك فإن الإصرار على تعريب المصطلح بلفظ البربر هو في واقع الأمر دمج بين مرجعيتين مختلفتين، وتغطية على خصوصية الواصف الأجنبي بعباءة لسانية محلية، وهو صنيع يفتقد للدقة التي يزعمها أصحاب هذا الطرح.
ثم إن الاعتراض المذكور يجافي الموضوعية، أيضا، لأن الوفاء للنص لا تعني بالضرورة التماهي مع مفرداته الواصمة، بل تعني وضع النص في مواجهة حقيقته الموضوعية، فالمترجم الذي يستبدل «البربر» بالأمازيغ لا يمحو التاريخ الاستعماري، بل يفضحه عبر إظهار المفارقة الصارخة بين حقيقة الشعب الموصوف وبين الرداء الأيديولوجي الذي أقحم فيه قسرا. هذا، ولعل الإبقاء على الوصم الكولونيالي («بربر ») في المتن لا يقوم، في واقع الأمر، بغير تعزيز الجريمة اللسانية وليس توثيقها، في حين يتوجب اعتماد ممارسة نقدية تجعل من النص مادة للتفكيك لا وثيقة للسلطة، إذ ليس من أخلاقيات العلم أن يحرص المترجم على أمانة الأثر، وأن يقدمها على عدالة التسمية. ولا بأس من القول أيضا إن الإبقاء على اللفظ في لغته المصدر ارتهان لذاكرة القهر أكثر من كونه خيارا موصولا إلى شعار الوفاء الترجمي حيال الحمولة الكولونيالية، فهذه الأخيرة تظل شاخصة في ثنايا المتن، نابضة في بنية الأفكار، ومتوارية خلف المقاصد الإثنوغرافية للكاتب، وهي عناصر يستطيع القارئ غير المتخصص تلمسها، فبالأحرى الباحث الذي يتحرى الفحص النقدي، حتى وإن استرد المسمى كرامته التسموية.
ثم إني أميل إلى الظن أن استخدام الأمازيغ لفظا هدفا من شأنه تحقيق المناط العلمي، ذلك إن الترجمة الرفيعة تعمل عمل مشرط جراحي يفصل بين الحقيقة الإنسانية وبين الغطاء الأيديولوجي الذي فرضه المستعمر. وعليه، فإن من يضع لفظ الأمازيغ في المتن عوض «البربر»، يكون قد مارس أسمى غايات الترجمة في سياق تجربتنا الحضارية، وهي إلغاء الاستعمار من العقل، وإعادة بناء الذاكرة بلغة السيادة والنزاهة العلمية.
أما الذين يزعمون ارتداد الأمازيغية إلى كينونة مختلقة صنعت في مختبرات غربية، فإني أربأ بنفسي عن مساجلتهم سجال الجد، وأكتفي بأن أبسط بين أيديهم «أقصوصة جدي» التي أعرضها على سبيل الاعتبار المرح:
كان جدي يقطن أقاصي الجبل، مستكينا للقب البربري الذي تكرم به عليه العابرون، إلى أن انشق ضباب المداشر ذات صباح غائم عن غريب مريب، لم يكن في واقع الأمر سوى جاك بينيت، الذي قرر أن يطوع التاريخ لرؤيته، مقتحما عزلة القرويين البسطاء ومتنكرا في هيئة عطار يجوب المرتفعات، يجر خلفه بغلا كليلا محملا بلفائف التوابل وقواميس المصطلحات. تربع ذلك الضيف بجانب جدي، وبعد أن سقاه كأسا من الشاي المنقوع في نكهة الأنسنة الإيديولوجية، اقترب منه وهمس في أذنه بوقار المستشرق المستنير: “يا حاج، لقد انتهت صلاحية البربرية، فخذ عني هذه الأمازيغية. إنها بضاعة باريسية فاخرة، وتليق بموضة القرن العشرين”. ومنذ تلك اللحظة، استيقظ جدي ليذيع فينا أنه أمازيغي، بينما قفل العطار الفرنسي راجعا إلى حواضر الأنوار ليدون في مذكراته نجاح عملية التلقيح الاصطناعي لهوية شعب بأكمله.
.
لا بأس من التذكير، ختاما، وعودة إلى الجد الواجب، بأن الترجمة فعل سيادي استراتيجي يضطلع بدور محوري في تشكيل السردية الوطنية وتوجيه الوعي الجمعي، وأن تعزيز مكانة اللغتين الرسميتين وتوطين المعرفة عبرهما هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق غاية التمكين اللغوي والحضاري، إذ تمنحان المجتمع القدرة على استيعاب المنجزات الإنسانية الكونية وتمثلها دون استلاب.
وعليه، فإن مقتضيات التحدي الثقافي الراهن تستوجب تجاوز النزعات الإقصائية والاستعداء البيني المجاني، والارتقاء بالنقاش الوطني نحو مقاربة أسمى توحد الجهود المؤسساتية والأكاديمية للنهوض باللغتين الرسميتين. ولست أشك في أن هذا التكتل المعرفي هو الدرع الواقي في مواجهة الهيمنة الثقافية العابرة للحدود، التي تتحرك بدوافع اقتصادية وتسعى لفرض نمط ثقافي يهمش الخصوصيات الوطنية.
** ذ : جمال ابرنوص













