في الوقت الذي يواصل فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي حربه التدميرية في قطاع غزة، ساعيًا إلى حرمان الفلسطينيين حتى من حقهم الإنساني في الفرح واستقبال عيد الأضحى، وفي ظل اتساع دائرة العدوان على لبنان تحت ذريعة القضاء على البنية العسكرية للمقاومة، تتكشف ملامح مشروع سياسي جديد يُراد فرضه على المنطقة بقوة الابتزاز والهيمنة، عنوانه توسيع “اتفاقيات إبراهيم” وربط مستقبل الشرق الأوسط بأجندة أمنية إسرائيلية ـ أميركية مشتركة.
المشهد يبدو شديد القسوة والوضوح في آن واحد: غزة تُحاصر بالنار والجوع والخراب، والضفة الغربية تُترك نهبًا للمستوطنين الذين يمارسون الإرهاب اليومي تحت حماية الجيش الإسرائيلي وبتحريض مباشر من وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير،والقدس تقضم وتهود يوميا ،والمسجد الأقصى يدنس دون تحريك ساكن، فيما تُدفع دول عربية وإسلامية دفعًا نحو الالتحاق بمسار التطبيع، وكأن المطلوب من المنطقة أن تتعايش مع الإبادة باعتبارها “تفصيلًا جانبيًا” في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
الرئيس الأميركي Donald Trump لم يكتفِ هذه المرة بالترويج لاتفاقيات إبراهيم بوصفها مشروعًا للسلام، بل تحدث بلغة الآمر الذي يوزع التعليمات على دول المنطقة. فقد دعا قطر وباكستان ومصر والأردن وتركيا إلى الانضمام الجماعي إلى الاتفاقيات، رابطًا ذلك بمفاوضات واشنطن مع إيران، وكأن مستقبل المنطقة وقرارات دولها السيادية مجرد أوراق في غرفة عمليات أميركية.
خطاب ترامب لم يكن دبلوماسيًا بقدر ما كان تعبيرًا صريحًا عن منطق القوة. فالرجل يتحدث بعقلية الإمبراطور الذي يرى الشرق الأوسط مجالًا حيويًا لإعادة الترتيب وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية، حتى لو جرى ذلك فوق أنقاض غزة وجثث المدنيين الفلسطينيين. الأخطر من ذلك أن الإدارة الأميركية تحاول تسويق أي اتفاق محتمل مع إيران باعتباره امتدادًا لاتفاقيات إبراهيم، أي باعتباره جزءًا من “نظام إقليمي جديد” تكون إسرائيل مركزه السياسي والأمني.
لكن هذا التصور يصطدم بحقيقة أساسية تتجاهلها واشنطن عمدًا: لا يمكن بناء استقرار حقيقي في المنطقة بينما تستمر إسرائيل في تدمير أسس العدالة والسلام. فلا معنى للحديث عن “تحالفات تاريخية” في وقت تُرتكب فيه جرائم حرب موثقة، وتُمارس سياسات تهجير وتجويع وعقاب جماعي بحق الفلسطينيين.
لقد تحولت اتفاقيات إبراهيم، التي قُدمت في البداية باعتبارها مدخلًا للتعايش والسلام، إلى غطاء سياسي يمنح الاحتلال مزيدًا من الشعور بالإفلات من العقاب. فمنذ توقيعها، لم تتراجع إسرائيل عن الاستيطان، ولم تُبدِ أي التزام بحل الدولتين، بل على العكس تمامًا؛ تسارعت عمليات الضم الزاحف، وتصاعد نفوذ اليمين الديني المتطرف، وأصبحت الدعوات العلنية لطرد الفلسطينيين وإلغاء وجودهم السياسي جزءًا من الخطاب الرسمي داخل الحكومة الإسرائيلية.
وإذا كانت بعض الدول الموقعة على الاتفاقيات قد بررت التطبيع بأنه وسيلة لدفع إسرائيل نحو السلام، فإن الوقائع على الأرض تكشف أن حكومة Benjamin Netanyahu استخدمت هذا المسار لتكريس مشروع الهيمنة الإقليمية، لا لإنهاء الاحتلال. لذلك لم يكن مفاجئًا أن تنظر الأوساط الإسرائيلية المتطرفة بعين الريبة إلى أي اتفاق أميركي ـ إيراني محتمل، لأن استمرار التوتر والحروب يخدم مشروعها التوسعي ويُبقي المنطقة في حالة خوف دائم.ومن غير المستبعد أن تقنع إسرائيل الرئيس ترامب مرة أخرى بالعودة إلى الحرب .
الأخطر في كل هذا أن القضية الفلسطينية بدأت تتآكل تدريجيًا داخل الأجندة العربية الرسمية. فمع تصاعد موجة التطبيع، تحولت بعض العواصم إلى رهائن لحسابات أمنية وسياسية مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة، إلى درجة باتت فيها عاجزة حتى عن إدانة جرائم واضحة ضد الإنسانية. وهكذا، جرى الانتقال من مرحلة “الدفاع عن الحقوق الفلسطينية” إلى مرحلة “إدارة الصمت” تجاه ما حدث ويحدث في غزة والضفة الغربية.
لقد نجحت إسرائيل، إلى حد بعيد، في نقل مركز الاهتمام الإقليمي من القضية الفلسطينية إلى ملفات أخرى: إيران، الأمن الإقليمي، التحالفات العسكرية، والتطبيع الاقتصادي. وبذلك أصبح الفلسطيني، مرة أخرى، الضحية الكبرى لمعادلات القوة والمصالح.
غير أن المشكلة الجوهرية في هذا المشروع تكمن في أنه يتعامل مع فلسطين باعتبارها عبئًا ينبغي تجاوزه والتخلص منه، لا قضية شعب يرزح تحت الاحتلال. ولذلك فإن أي ترتيبات إقليمية تُبنى على تجاهل الحقوق الفلسطينية محكومة بالفشل، مهما حظيت بالدعم الأميركي أو بالترويج الإعلامي.
فالسلام الحقيقي لا يُصنع عبر اتفاقيات تُوقَّع تحت ضغط الخوف أو الابتزاز السياسي، ولا عبر تحويل المنطقة إلى شبكة تحالفات أمنية تدور في فلك إسرائيل، بل يبدأ أولًا بإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، والاعتراف الكامل بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والدولة والكرامة.
أما محاولة فرض شرق أوسط جديد بالقوة، بينما تستمر غزة في النزيف، فلن تنتج إلا مزيدًا من الغضب وعدم الاستقرار، لأن الشعوب قد تصمت تحت وطأة الخوف، لكنها لا تنسى الحقائق الكبرى، وفي مقدمتها أن فلسطين لم تكن يومًا مجرد ملف سياسي عابر، بل قضية عدالة وضمير وتاريخ.
** ذ : عبد الصمد بنشريف














