لا يحتاج الشغف بالتراث إلى شواهد أكاديمية بقدر ما يحتاج إلى يقظة ذهنية تملك القدرة على ربط الخيوط وتفكيك الذاكرة الشفوية والمجالية. في لسان أهل تمسمان وبمنطقة “اتروكوت” (إقليم الدريوش) تحديداً، ترقد أسرار لغوية وجغرافية مذهلة تكشف عن عمق التداخل الثقافي في حوض البحر الأبيض المتوسط منذ فجر التاريخ.
1- التناغم الصوتي: من الضوء إلى النار :
إذا تأملنا مجموعة من المفردات المحلية مثل: (تيفاوت، تفاوت، ثفاوث، فوفو، فوغو، تفوشت، ثفويث ، سنجد أنها رغم تنوع نطقها الجغرافي، تنتمي في العمق إلى جذر اشتقاقي واحد يرمز إلى “الضوء، الشمس، والنار”. هذا الترابط ليس عشوائياً، بل يعكس إدراكاً حسياً متكاملاً للإنسان المحلي يربط بين مصادر الطاقة والدفء.
2- المفارقة المذهلة: “ثيفايست” وجوارها :
يتجسد هذا الرابط اللغوي بشكل مدهش في قمة جبلية تطل على خليج النكور باتروكوت، يُطلق عليها محلياً اسم “ثيفايست” (Thifayst)، وبجوارها مزار يرتبط بـ “سيدي أمحند/أحمد ارقندير”، حيث كانت تُوقد النار إلى عهد قريب كإشارات أو طقوس، وتُقام بالقرب منها طقوس استدرار المطر (صلاة الاستسقاء) في موقع يسمى “بوسكسو” المطل على دوار “أحديد” المشتق بوضوح من كلمة الحديد ( ثحذيذات / احذيذ )
3- الفرضية: “ثيفايست” والأسطورة الإغريقية
هنا يبرز سؤال أنثروبولوجي مثير: أليس هناك ترابط وثيق بين اسم هذا الجبل والوظيفة التاريخية للمنطقة؟
في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، يُعرف “هيفايستوس” (Hephaestus) بأنه إله النار والحدادة وصناعة المعادن، وكانت ورشته الأسطورية توجد دائماً في قمم الجبال البركانية حيث النار والحديد. إن كلمة “ثيفايست” تشبه إلى حد التطابق تمزيغاً لاسم الإله اليوناني بلمسة محلية (إضافة تاء التأنيث/التعريف الأمازيغية) او العكس يعني انتقال الكلمة اللسان المحلي الى اليونانية، وهو تحول طبيعي ناتج عن فترات طويلة من التلاقح الثقافي والتجاري بين الأمازيغ وشعوب المتوسط (الإغريق، الفينيقيين، والرومان )
خلاصة وتأمل:
إن وجود جبل يحمل اسم “ثيفايست”المشتق من النار، تشتعل فيه النيران تاريخياً، ويجاوره دوار “أحديد” المعدن، يمنحنا فرضية علمية متماسكة بأن المنطقة ربما كانت مركزاً طقوسياً أو جغرافياً قديماً ارتبط بذاكرة صناعة المعادن وتقديس عناصر الطبيعة.
وهي دعوة مفتوحة للمختصين في اللسانيات المقارنة والآثار لينفضوا الغبار عن هذه القمم، فخلف كل اسم محلي كنز لا يُقدر بثمن وحقيقة تاريخية تنتظر الاكتشاف.
** ذ : لعزيز ابراهيمي













