توقفت عند هذا الجزء من المثل العربي، ولم أكمله بالقول : و”لكل عالم هفوة ولكلّ صارم نبوة.” توقفت عند الجزء الأول، ولم أتوقف عند السيف ولا عند العالم، لأننا نتعامل أحيانا مع الأسف مع اللاعبين كما نتعامل مع الخيل، ونطالبهم بما يتجاوز طاقتهم، كما لو كانوا مجرَّدَ خيل في حلبة سباق الثيران أو أسود في حلبات الرومان القديمة. نعتقد أنّ اللاعبين مجرَّدُ خيل لا يتعبون ولا يصيبهم إرهاق ولا لحظات شكٍّ وفراغ أمام قوّة الخصم، من فرط إعجابنا بهمّة اللاعبين وروحهم القتاليّة خلال إنجازاتهم الرّائعة في المراحل الإقصائية والمتقدّمة،.
والحقيقة أنّني شخصيّا، وفي ضوء إنجازات المنتخب، أتمنّى أحيانًا أن أبذُلَ في مجال اختصاصي الجهد نفسه الذي بذله اللاعبون؛ وأتمنّى أن أعطي أفضل ما عندي.
مع ذلك، أومن بأنَّ النجاح، في الملاعب والمكتبات والدراسات الميدانية، محفوفٌ بمخاطر كثيرة، مثل التعرُّض لأمراض مزمنة أو لمشاكل نفسيّة أو اجتماعيّة، كما يوجد احتمال الوصول إلى نتائج متفاوتة في النجاح، أو حصد تجاهل الأقران والزملاء والقراء، أو الفشل في حصد نتائج البحث. ما وقع في كرة القدم قد يقع لنا في الحياة اليوميّة بالرّغم من كلِّ الجهود المبذولة.
هناك مشكلة إضافيّة. ما هي؟
وضعنا كلَّ آمالنا وآلامنا على عاتق تخصُّص رياضي شبه وحيد (إلى جانب ألعاب القوى). ظلُّ اللاعبون في كرة القدم على وعي دائم بأنّهم هم وحدهم من يحملون على عاتقهم تحقيق أحلام كلّ المغاربة في التفوق والنجاح ومقارعة المنتخبات العظمى ونشر صورة البلاد في المعمور. نابت كرة القدم عن الأنواع الرياضية الأخرى؛ وتمّت المراهنة على كرة القدم لتختزل كلَّ أحلامنا في التميُّز على المستوى الكوني. طبعا، لا تسمح إمكانات البلد بالاهتمام بكلّ الأنواع الرياضية. وهذا صحيح إلى حدٍّ بعيد، مخافة أن يتحول البحر إلى جداول صغيرة إذا ما تمَّ تقسيمه بالتساوي بين كلّ الأنواع الرياضيّة.
وهناك أمرٌ آخر يفرض نفسه على السياسة الرياضية، وهو أنها تأخذ شعبيّة كرة القدم بعين الاعتبار. المفارقة هي أن المغرب الفاسي فرع كرة السلة قد فاز بكأس العرش ، ولم نجد احتفالات شعبية بهذا الفوز في الشوارع. بالمقابل، تحوّلت شعبية كرة القدم منذ انطلاق المونديال وقبله سنة 2022 بقطر إلى استفتاء شعبي يطالب بدعم الرياضة الأولى بالمغرب وتحويلها إلى صناعة متكاملة توازي الصناعات الوطنية الناجحة.
مع ذلك، وهذا هو الوجه الأخر السلبي، يتحمّل المنتخب الوطني عبء كلّ هذا الحبِّ للقميص الوطني ويصبح اللاعبون ملزمين ببذل الجهود الممكنة وغير الممكنة ويتحملون ضغطًا نفسيًّا رهيبًا، كان بالإمكان أن يتحول إلى عائق ذهني لولا أنَّ اللاعبين محترفون ويعرفون كيف يتجاوزون الضغط.
شكرا للفريق الوطني الذي يُعتبَرُ نموذجًا في السخاء والعطاء والانخراط الواعي والناضج في مشروع سياسة كروية ظهرت مع تنظيم كأس إفريقيا للأمم وستجد تتويجها في تنظيم كأس العالم. راهن المغرب دولةً وشعبًا على المنتخب الوطني، فكان أهلا لهذا الرّهان، في أفق إنجازات مماثلة على الأقل، في المواعيد الرياضية المقبلة.
** د : عزالعرب لحكيم بناني












