“النضال الوحيد الذي يُهزم هو النضال الذي يتم التخلي عنه.”
من شعارات أمهات “ساحة مايو” بالأرجنتين ضد القمع..
لم تكن القافلة النسائية التي اتجهت اليوم إلى مدينة الحسيمة مجرد مبادرة تضامنية عابرة، ولا مجرد زيارة مؤازرة لأمهات معتقلين قضوا، إلى الآن، ظلماً، تسع سنوات خلف القضبان. لقد كانت، في عمقها، فعلا رمزيا عميقا وكثيف الدلالات، واستعادة جميلة لمعنى السياسة في أنبل تجلياتها: أن يتحرك الناس من أجل بعضهم البعض، وأن يتحول الألم الفردي إلى قضية جماعية، وأن تنتصر الذاكرة على النسيان..
نساء من أجيال مختلفة، ومن مشارب فكرية وسياسية متعددة، أكاديميات وحقوقيات ونقابيات ومناضلات سياسيات وفاعلات مدنيات، اجتمعن حول اقتناع راسخ: أن الحرية ليست امتيازا يمنح، بل قيمة إنسانية عليا تستحق الدفاع عنها مهما طال الزمن ومهما اشتدت المحن والتضحيات.
في هذه القافلة المباركة لم يتبدّى، التضامن كمجرد موقف عابر أو شعور أخلاقي مؤقت، بل شكل من أشكال إعادة تعريف الإنسان لذاته داخل الجماعة: أن ترى في ألم الآخر امتداداً لألمك، وفي كرامته شرطاً لكرامتك..حيث يتحول الوجع الفردي إلى ذاكرة مشتركة، حيث يصبح “نحن” أكثر من مجرد ضمير، بل مساحة مقاومة ضد الظلم، وضد النسيان، وضد كتمان الحقيقة، وتبرير التواطؤ وتصويره كموقف يدل على الاعتدال والحكمة!
في زمن تتسع فيه مساحات اللامبالاة، ويكاد الصمت يتحول إلى عقيدة، اختارت هؤلاء النساء أن يسلكن طريقاً آخر؛ طريق الإصغاء إلى الوجع الإنساني، ومشاركة الأمهات حمل الانتظار الثقيل، وتجديد العهد مع قضية أصبحت جزءاً من الذاكرة السياسية والوجدانية لمغرب اليوم.
كلنا ندرك أن حراك الريف حمَل، في لحظته الصاعدة، أكثر من مجرد مطالب اجتماعية أو تنموية. لقد حمل إمكانية تشكل “الشعب” بالمعنى السياسي العميق الذي تحدث عنه “إرنستو لاكلاو”؛ شعب لا يُعرَّف باعتباره معطى جاهزاً أو هوية مغلقة، بل باعتباره بناءً سياسيا وأخلاقياً يتشكل عندما تلتقي مطالب متعددة حول أفق مشترك للكرامة والعدالة والاعتراف. وهكذا لم تكن المطالب التي رفعها أبناء الريف مطالب معزولة، بل تحولت إلى لغة جماعية استطاعت أن توحد بين معاناة الناس وآمالهم، وأن تجعل من الحرية ورد الاعتبار إلى تاريخ الريف مشروعاً جماعياً راسخاً لا مطلباً عابراً.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم الإصرار المستمر من قبل الجميع على المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الحراك. فالقضية لم تعد قضية أشخاص فقط، رغم مركزية معاناتهم ومعاناة أسرهم، بل أصبحت أيضاً قضية ذاكرة جماعية، وقضية اعتراف سياسي وأخلاقي بأصوات طالبت بأن تكون الكرامة والعدالة حقاً للجميع.
ولعل أكثر اللحظات تأثيراً في هذه القافلة كانت لحظات لقاء النساء المتضامنات بأمهات المعتقلين. هناك، في الكلمات البسيطة التي قلنها، وفي الدموع التي امتزجت بالابتسامات، وفي العناق الذي اختصر سنوات طويلة من الانتظار، تجلت حقيقة عميقة: أن التضامن ليس فكرة مجردة، بل قوة مادية ومعنوية تمنح البشر القدرة على الاستمرار، وعلى العيش على الأمل، وعلى تحدي الألم والسجن معاً.
وحين شكرت أم ناصر الزفزافي، السيدة الصامدة للا زليخة، النساء القادمات من مختلف أنحاء المغرب، لم يكن ذلك مجرد تعبير عن الامتنان. كان، في جوهره، اعترافاً بقوة الكلمة حين تتحول إلى حضور، وبقوة الحضور حين يتحول إلى سند. كانت كلماتها تقول إن السجن لم يستطع أن يقطع الخيط الذي يربط المعتقلين بالمجتمع، وإن سنوات العزل الطويلة لم تنجح في تحويل معاناتهم إلى قضية منسية أو إلى ذكرى باهتة على هامش الزمن.
لقد بدت كلمات أم ناصر وكأنها دفاع عن المعنى نفسه؛ عن معنى أن يظل هناك من يتذكر، ومن يزور، ومن يقطع المسافات ليقول إن الحرية لا تزال تستحق النضال من أجلها. وفي ذلك ما يجعل من التضامن فعلاً مضاداً للتهميش والنسيان، ومن الذاكرة شكلاً من أشكال المقاومة، ومن الأمل قوة تاريخية تواجه الإقصاء وعدم الاعتراف.
فالأمل ليس وهماً جميلاً، بل موقفاً أخلاقياً. والأمل، هنا، هو أن نرفض الخوف حتى لا يتحول إلى أفق، وأن نرفض الركوع حتى لا يتحول إلى وجهة نظر، وأن نرفض الصمت حتى لا يصبح شريكاً في تبرير ما لا يمكن تبريره: الظلم.
لهذا لم تكن القافلة مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت عبوراً رمزياً نحو أفق آخر؛ أفق يؤكد أن الشعوب لا تُبنى بالخوف، بل بالأمل، وأن السياسة في معناها النبيل ليست إدارة للصمت، بل صناعة للأصوات الجماعية القادرة على التعبير عن تطلع الناس إلى الحرية والعدالة والكرامة.
وفي هذا المعنى بالذات تكتسب هذه المبادرة النسائية قيمتها العميقة. فهي تذكرنا بأن الكلمة الحرة تستطيع أن تعبر الأسوار، وأن التضامن يستطيع أن يهزم العزلة، وأن الأمل، مهما بدا هشاً، يظل أقوى من السجن، وأقوى من النسيان، وأقوى من كل محاولات تحويل الألم إلى قدر صامت.
فما حملته هؤلاء النساء إلى الحسيمة لم يكن مجرد رسائل دعم، بل كان شيئاً أكبر من ذلك بكثير: كان إعلاناً جماعياً بأن الحرية لا تزال حية في الضمائر، وأن قضية الكرامة لا تزال قادرة على جمع المختلفين حولها، وأن قوة الشعب، وقدرته على بناء وطن يليق بأبنائه، تولد من القدرة على تحويل المعاناة المشتركة إلى إرادة مشتركة، وتحويل الأمل إلى قوة أخلاقية وتاريخية تواصل السير، حتى عندما يبدو الطريق طويلاً، وحتى عندما يبدو الأفق بعيداً..
المجد لأمهات المعتقلين السياسيين..والحرية لكل المعتقلين.
وكل التحية والتقدير لقافلة التضامن النسائي.
** محمد بوطيب













