منذ سنوات، وملف حراك الريف يراوح مكانه. تتغير الوجوه، وتتبدل الخطابات، وتظهر مبادرات وتختفي أخرى، لكن جوهر المشكلة يبقى قائما: غياب الثقة بين مختلف الأطراف، وغياب إرادة سياسية قادرة على تحويل هذا الملف من حالة تدبير أمني وسياسي مؤجل إلى قضية وطنية تستحق حلا شجاعا ومسؤولا.
خلال السنوات الأخيرة، انشغل كثيرون بالحديث باسم الحراك أكثر من انشغالهم بالبحث عن مخرج له. وتحول النقاش أحيانا من التفكير في مستقبل المعتقلين والمنطقة إلى صراع حول من يملك الشرعية الرمزية لتمثيل القضية. وبين هذا وذاك، ظل الملف جامدا، وظل المعتقلون وعائلاتهم يدفعون ثمن هذا الجمود.
المشكلة الحقيقية ليست في غياب الأصوات المدافعة عن المعتقلين، بل في غياب جسر موثوق يحظى بثقة الجميع. فالدول، بطبيعتها، لا تتعامل مع الشعارات بقدر ما تتعامل مع الوضوح والقدرة على بناء الثقة. وكل من يعرف طبيعة العمل السياسي يدرك أن الملفات المعقدة لا تحل بالمزايدات ولا بحروب المواقع، وإنما عبر قنوات واضحة وأرضيات مشتركة تحفظ كرامة الجميع.
ما يثير الانتباه أن كلما ظهرت بوادر يمكن أن تمهد لأجواء أكثر إيجابية، تعود بعض الأصوات إلى إعادة إنتاج أسباب التوتر نفسها. فمن جهة هناك من يختزل القضية في سجالات شخصية أو حسابات ضيقة، ومن جهة أخرى هناك من يحاول ربط ملف المعتقلين بمشاريع سياسية أو إيديولوجية لا تشكل جزءا من مطالب الحراك الأصلية.
وهنا تكمن إحدى أكبر المعضلات. فربط قضية المعتقلين بأهداف تتجاوز أرضية الحراك لا يخدم الملف، بل يعمق المخاوف ويزيد منسوب انعدام الثقة. وقد تكون لهذه التوجهات قناعاتها ومشاريعها الخاصة، ومن حقها التعبير عنها والدفاع عنها، لكن تحويلها إلى عنوان لقضية المعتقلين كان دائما خطأ سياسيا مكلفا، لأنه يدفع الكثيرين إلى النظر إلى الملف من زاوية الصراع السياسي بدل زاوية الحل.
والأهم من ذلك أن المعتقلين أنفسهم، في أكثر من مناسبة، حرصوا على التأكيد بأن حراك الريف كان حركة احتجاجية ذات مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية واضحة، وليس واجهة لأي مشروع سياسي أو إيديولوجي آخر. بل إن العديد منهم شددوا على استقلالية الحراك عن مختلف التيارات والتنظيمات التي حاولت الاقتراب منه أو التحدث باسمه. ولذلك فإن احترام المعتقلين لا يقتصر على الدفاع عن حريتهم وحقوقهم، بل يشمل أيضا احترام تعريفهم هم لقضيتهم، وعدم تحميلها ما لم تكن تحمله منذ البداية.
لقد أدى الخلط المستمر بين مطالب الحراك المشروعة وبين مشاريع سياسية أخرى إلى تعقيد الملف أكثر مما خدمه. فبدل أن يساهم في خلق ضغط إيجابي من أجل الحل، ساهم في تكريس الشكوك وتوسيع الهوة بين الريف والمركز، ومنح المبررات لكل من لا يريد الاقتراب من جوهر المشكلة الحقيقية.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة شد الحبل لم تحقق انفراجا، كما أن سياسة تجاهل الجراح العالقة لم تنتج استقرارا حقيقيا. فالاستقرار لا يبنى فقط بالقوة القانونية للدولة، كما أن الثقة لا تبنى فقط بحسن نية المجتمع. الاستقرار يحتاج إلى مصالحة سياسية وأخلاقية مع الأسباب التي أفرزت الأزمة منذ البداية.
إن الريف لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الوسطاء المتنافسين، ولا إلى المزيد من المزايدين على القضية، بل يحتاج إلى عقل سياسي قادر على بناء الثقة. يحتاج إلى مبادرة تضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، وتعترف بأن استمرار هذا الملف مفتوحا لا يخدم أحدا، لا الدولة ولا المعتقلين ولا المنطقة.
بعد كل هذه السنوات، لم يعد السؤال من يربح ومن يخسر، بل لماذا لا يزال الجميع عاجزا عن بناء ذلك الجسر الذي يثق فيه الجميع؟
ونختم بهذه الجملة
“فليس من الإنصاف أن يتحول المعتقلون إلى رهائن لصراع التأويلات، ولا أن تُختزل معاناتهم في معركة إثبات من كان على حق ومن كان على خطأ. فالقضية اليوم أكبر من الأشخاص، وأكبر من التنظيمات، وأكبر من الحسابات السياسية الضيقة.”
** ذ : شاكر المخروط













