عرف المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تساقطات مطرية مهمة أعادت إلى الواجهة سؤال تدبير الموارد المائية، ليس فقط من زاوية وفرة المياه بعد سنوات من الجفاف، بل من زاوية أعمق تتعلق بكيفية التعايش مع التحولات المناخية المتسارعة التي باتت تطبع المجالين البيئي والاقتصادي على حد سواء.
ففي ظرف زمني وجيز، انتقل النقاش العمومي من تدبير الندرة الحادة إلى تدبير وفرة ظرفية، غير أن هذا التحول لا ينبغي أن يُفهم بوصفه نهاية لأزمة الماء، بل باعتباره أحد أبرز تجليات التغير المناخي، حيث أصبح عدم انتظام التساقطات وتزايد الظواهر المناخية المتطرفة سمة رئيسية للمناخ المغربي.
اختلال “زمن الماء” بدل ندرته المطلقة
لم يعد التحدي المائي في المغرب مرتبطًا فقط بتراجع المعدلات السنوية للأمطار، بل بات أساسًا مرتبطًا باختلال توزيعها الزمني والمجالي. ففترات جفاف طويلة تتخللها أمطار غزيرة ومركزة في مدد قصيرة، ما يؤدي أحيانًا إلى فيضانات وخسائر، بدل أن يشكل فرصة حقيقية لتعزيز الأمن المائي. هذا الواقع يفرض مراجعة نماذج التخطيط التقليدية التي تعتمد على المعطيات التاريخية، والانتقال نحو تدبير مرن يستوعب عدم اليقين المناخي.
تدبير ذكي لفترات الوفرة
تشكل فترات الوفرة المطرية فرصة استراتيجية ينبغي استثمارها بشكل أمثل، من خلال تعزيز قدرات التخزين بالسدود الكبرى والسدود التلية، واستغلال مياه الفيضانات في تغذية الفرشات المائية، إضافة إلى تطوير تقنيات إعادة الشحن الاصطناعي للمياه الجوفية. كما يظل الحد من ضياع المياه السطحية المتجهة نحو البحر دون استغلال من بين التحديات الكبرى التي تستدعي حلولًا تقنية ومؤسساتية متكاملة.
في المقابل، يظل ترشيد الطلب على الماء خيارًا لا محيد عنه، عبر تحسين مردودية شبكات التوزيع والحد من التسربات، واعتماد آليات اقتصادية وتشريعية تشجع على الاقتصاد في الماء، إلى جانب تعميم العدادات الذكية والانتقال نحو التدبير الرقمي للموارد المائية.
إصلاح السياسة الفلاحية: مدخل أساسي للتكيف
يُعد القطاع الفلاحي المستهلك الأكبر للمياه في المغرب، مما يجعل إصلاحه ركيزة محورية في أي استراتيجية للتكيف المناخي. ويتطلب ذلك ملاءمة الزراعات مع الخصوصيات المناخية والمائية لكل جهة، وتقليص الزراعات المستنزِفة للمياه في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، إضافة إلى تعميم تقنيات الري المقتصد وربطها بأنظمة ذكية تعتمد على المعطيات المناخية والرقمية.
من تدبير الأزمات إلى تدبير المخاطر
أبرزت التساقطات الأخيرة الحاجة الملحّة إلى الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق تدبير المخاطر. ويشمل ذلك اعتماد مقاربة استباقية للفيضانات من خلال تحيين خرائط المخاطر ومنع التعمير في مجاري الأودية، وتطوير أنظمة إنذار مبكر على المستويين المحلي والجهوي، إلى جانب إعداد خطط جهوية استباقية لمواجهة الجفاف بدل الاكتفاء بالحلول الظرفية.
حوكمة مائية متكاملة ورؤية استشرافية
لا يمكن مواجهة تحديات التغير المناخي دون تعزيز حكامة الماء، وذلك عبر تقوية التنسيق بين سياسات الماء والفلاحة والطاقة والتعمير، وتمكين الجهات من صلاحيات أوسع في تدبير القضايا المناخية، مع إدماج البحث العلمي والنمذجة المناخية والهيدرولوجية في دعم القرار العمومي. كما يفرض السياق الحالي اعتماد التخطيط المبني على السيناريوهات المستقبلية بدل الاقتصار على قراءة الماضي.
التكيف كخيار استراتيجي
نظرًا لمحدودية إسهام المغرب في الانبعاثات العالمية، يظل التكيف مع التغير المناخي الخيار الاستراتيجي الأهم. ويتجسد ذلك في تسريع مشاريع تحلية مياه البحر بالاعتماد على الطاقات المتجددة، وتوسيع إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، والاستثمار في الاقتصاد الأخضر والأزرق كرافعة للتنمية المستدامة.
خلاصة
إن ما يعيشه المغرب اليوم يؤكد أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في ندرة الموارد المائية، بل في كيفية تدبير الزمن المناخي للماء. فالتحدي المستقبلي يفرض القدرة على التخزين خلال فترات الوفرة، والترشيد خلال فترات الندرة، والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق والتخطيط بعيد المدى، بما يضمن الأمن المائي ويعزز صمود البلاد في وجه التغير المناخي.
** الدكتورة خديجة حبوبي














