يشكل حضور المرأة في الجامعة المغربية أحد أبرز التحولات التي عرفها قطاع التعليم العالي خلال العقود الأخيرة، حيث انتقلت المرأة المغربية من موقع الحضور المحدود داخل الفضاء الجامعي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى فاعل أساسي في منظومة التكوين والبحث العلمي وإنتاج المعرفة. فقد عرف التعليم العالي بالمغرب توسعًا كبيرًا خلال العقود الثلاثة الماضية، سواء من حيث عدد المؤسسات الجامعية أو من حيث عدد الطلبة، وهو ما أتاح فرصًا أكبر لولوج النساء إلى الجامعة. وتشير المعطيات الرسمية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى أن عدد الطلبة في الجامعات المغربية العمومية بلغ خلال الموسم الجامعي 2024-2025 حوالي 1.3 مليون طالب وطالبة، تشكل الطالبات منهم ما يقارب 49 إلى 50 في المائة، أي ما يناهز 650 ألف طالبة، وهو ما يعكس تطورًا مهمًا مقارنة مع بداية التسعينيات حيث لم تكن نسبة الطالبات تتجاوز 28 في المائة. هذا التطور يعكس تحسن الولوج إلى التعليم بالنسبة للفتيات وتوسع العرض الجامعي في مختلف جهات المملكة، كما يعكس التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة. ويلاحظ أن حضور الطالبات يختلف حسب التخصصات الأكاديمية، ففي مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية تشكل النساء أحيانًا أكثر من 55 في المائة من مجموع الطلبة، خاصة في كليات الآداب والعلوم الإنسانية وكليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، كما تسجل نسبة مرتفعة في كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان حيث تتجاوز أحيانًا 60 في المائة من الطلبة. أما في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة التي كانت تقليديًا ذات حضور ذكوري قوي، فقد بدأت تعرف تحسنًا تدريجيًا في نسبة الطالبات، حيث تتراوح نسبة النساء في مدارس الهندسة المغربية مثل المدارس الوطنية للعلوم التطبيقية والمدارس الأخرى للمهندسين بين 35 و40 في المائة، بعد أن كانت لا تتجاوز 15 إلى 20 في المائة قبل عقدين من الزمن. كما شهدت التخصصات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والهندسة البيئية والطاقات المتجددة إقبالًا متزايدًا من الطالبات، وهو ما يعكس تطور تموقع المرأة داخل المجالات العلمية والتكنولوجية. ويبرز حضور المرأة كذلك في سلك الدكتوراه الذي يمثل أحد أهم المؤشرات على المشاركة في إنتاج المعرفة، حيث يبلغ عدد طلبة الدكتوراه في المغرب حوالي 35 ألف طالب وطالبة، تشكل النساء منهم ما بين 40 و45 في المائة، وهو ما يدل على تطور دور المرأة داخل الجامعة من مجرد متلقية للمعرفة إلى مساهمة في إنتاجها. كما تسجل الباحثات المغربيات حضورًا متزايدًا في النشر العلمي الدولي، حيث يشارك الباحثون المغاربة في نشر ما يقارب 9000 مقال علمي سنويًا في المجلات الدولية المفهرسة في قواعد بيانات علمية مثل Scopus وWeb of Science، وتساهم الباحثات في ما بين 30 و35 في المائة من هذه المنشورات، خاصة في مجالات علوم البيئة والمياه والكيمياء التطبيقية وعلوم المواد والطاقات المتجددة والبيوتكنولوجيا. وعلى مستوى هيئة التدريس الجامعي، يبلغ عدد الأساتذة الباحثين في الجامعات المغربية حوالي 14 ألف أستاذ باحث، تشكل النساء منهم ما يقارب 28 إلى 30 في المائة، وهي نسبة تعكس تطورًا مهمًا مقارنة مع منتصف التسعينيات حين لم تكن نسبة الأستاذات تتجاوز 10 في المائة. وقد أصبحت الأستاذات المغربيات يضطلعن بأدوار متقدمة في تأطير طلبة الدكتوراه وإدارة مختبرات البحث العلمي والمشاركة في المشاريع البحثية الوطنية والدولية، كما يساهم عدد متزايد منهن في برامج التعاون العلمي الدولي مثل Horizon Europe وErasmus+ وPRIMA، خاصة في مجالات مرتبطة بالتحديات الكبرى التي تواجه المغرب مثل الأمن المائي والتغيرات المناخية والطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر والذكاء الاصطناعي. ورغم هذا التطور الملحوظ في حضور المرأة داخل الجامعة المغربية على مستوى التكوين والبحث العلمي، فإن تمثيليتها في مواقع القيادة الجامعية لا تزال محدودة بشكل واضح. إذ لا توجد أي امرأة حاليا تتولى منصب رئيسة جامعة في المغرب، رغم وجود أكثر من اثنتي عشرة جامعة عمومية في المملكة، كما أن نسبة النساء في مناصب عمداء الكليات ومديري المؤسسات الجامعية لا تتجاوز في المتوسط ما بين 15 و20 في المائة، في حين تبلغ نسبة النساء اللواتي يشرفن على مختبرات البحث العلمي حوالي 30 في المائة. هذه المفارقة تكشف عن فجوة واضحة بين الحضور العلمي المتزايد للمرأة داخل الجامعة وبين تمثيليتها في هرم القيادة الجامعية. فبينما تشكل النساء نصف الطلبة تقريبًا وثلث الأساتذة الباحثين، فإن حضورهن في أعلى مستويات الحكامة الجامعية ما يزال ضعيفًا. ومع ذلك فإن دور المرأة داخل الجامعة المغربية أصبح اليوم عنصرًا أساسيًا في تطوير البحث العلمي وتعزيز الابتكار، حيث تساهم الباحثات المغربيات في تطوير مشاريع علمية مرتبطة بقضايا التنمية المستدامة مثل تدبير الموارد المائية والتكيف مع التغيرات المناخية وتطوير الطاقات المتجددة وحماية النظم البيئية، كما يشاركن في عدد متزايد من شبكات البحث الدولية التي تعزز إشعاع البحث العلمي المغربي على المستوى العالمي. إن الجامعة المغربية اليوم تقف أمام مرحلة جديدة من التحول نحو اقتصاد المعرفة، وهو ما يجعل من تعزيز حضور المرأة في مختلف مستويات المنظومة الجامعية، بما في ذلك مواقع القيادة، رهانًا استراتيجيًا ليس فقط لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، بل أيضًا لتعزيز جودة الحكامة الجامعية وتطوير القدرة الابتكارية للمؤسسات الأكاديمية. فتمكين المرأة داخل الجامعة لم يعد مجرد مسألة مرتبطة بالمساواة، بل أصبح شرطًا أساسيًا لبناء جامعة أكثر دينامية وتنوعًا وقدرة على مواجهة التحديات العلمية والتنموية التي يفرضها عالم سريع التحول.
** د : خديجة الحبوبي














