شهدت مناطق واسعة من أعالي جبال الريف الغربي والريف الأوسط، خلال الأيام الأخيرة، انهيارات أرضية وسيولًا جارفة، خلفت حالة من الخوف والهلع في صفوف سكان الدواوير الجبلية، الذين باتوا مهددين في أرواحهم ومنازلهم وأراضيهم. هذه الأحداث، التي قد تبدو في ظاهرها كوارث طبيعية، تكشف في عمقها عن أزمة بيئية بنيوية سببها التدمير الممنهج للغابات التاريخية التي كانت تشكل الحزام الطبيعي الواقي لهذه المناطق.
فغابات الأرز والبلوط التي كانت تغطي المرتفعات الجبلية للريف، لعبت لعقود دورًا حاسمًا في حماية التربة من الانجراف، والتقليل من قوة السيول، وتمكين الأرض من امتصاص كميات كبيرة من مياه الأمطار، بما يساهم في تغذية الفرشة المائية وضمان استقرار النظام البيئي المحلي. غير أن الاستغلال المفرط للغابة، وغياب سياسة حقيقية للحماية وإعادة التشجير، جعلا هذه المناطق عارية وهشة أمام أي تساقطات مطرية قوية.
وقد كشفت الأمطار الأخيرة عن حجم الخسائر الناتجة عن هذا الوضع، من محاصرة للسكان، وتهديد مباشر للمساكن، وتدمير للبنية التحتية من طرق وقناطر. كما أن الأخطار البيئية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ ستستقر كميات هائلة من الأوحال في السدود، مما يقلص من قدرتها التخزينية، بينما سيتجه جزء آخر نحو البحر الأبيض المتوسط، محمّلًا بالمخصبات الكيميائية المستعملة في الزراعة الصناعية للقنب الهندي، إضافة إلى النفايات المنزلية المتراكمة في المطارح العشوائية التي تحولت معها الوديان إلى مكبات مفتوحة.
إن ما يحدث اليوم في جبال الريف ليس مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لتحذيرات متكررة أطلقناها كفاعلون جمعيون مهتمون بالشأن البيئي خلال السنوات الماضية. إلا أن هذه التحذيرات لم تُؤخذ بالجدية اللازمة، إلى أن تحولت إلى واقع ملموس يهدد الإنسان والطبيعة معًا.
وأمام خطورة الوضع، نطالب السلطات المختصة بالتطبيق الصارم لقانون حماية الغابات، ووقف الترخيص لاستغلالها، مع إطلاق برنامج وطني لإعادة تأهيل المشهد الطبيعي بالريف، يعتمد على إعادة التشجير، وحماية التربة، واعتماد مقاربة بيئية تشاركية تضع سلامة المواطنين واستدامة الموارد الطبيعية في صلب السياسات العمومية.
** محمد الاندلسي












