بمناسبة اليوم العالمي للماء، يواجه المغرب تحدياً مائياً مركباً لم يعد يقتصر على ندرة الموارد المائية فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بتزايد الظواهر المناخية القصوى وتذبذب التساقطات بين فترات جفاف طويلة وتساقطات قوية ومركزة زمنياً، وهو ما يعكس تحولات عميقة في النظام الهيدرومناخي الوطني. فقد انتقل المغرب خلال العقود الأخيرة إلى مرحلة الإجهاد المائي الهيكلي نتيجة تراجع الموارد المائية المتجددة وارتفاع الطلب المرتبط بالنمو الديمغرافي والتوسع الحضري والفلاحي، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية التي أدت إلى انخفاض التساقطات وارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر واستنزاف الفرشات المائية. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت تواتراً متزايداً للظواهر القصوى، حيث أصبحت الأمطار أقل انتظاماً وأكثر شدة، مما يؤدي إلى فيضانات مفاجئة وسيول جارفة وفقدان جزء مهم من المياه نحو البحر، كما أبرزت ذلك فيضانات شهر فبراير التي عرفت ارتفاعاً سريعاً في صبيب عدد من الأودية وامتلاءً متسارعاً لبعض السدود، مقابل تسجيل خسائر محلية في بعض المناطق. وتؤكد هذه المفارقة المناخية أن التحدي المائي بالمغرب لم يعد مرتبطاً بتدبير الندرة فقط، بل أصبح يتطلب أيضاً تدبير فترات الوفرة وتحويل مياه الفيضانات من خطر طبيعي إلى فرصة لتعزيز المخزون المائي الوطني، وذلك عبر تعبئة السدود، وإعادة تغذية الفرشات المائية، وتطوير منشآت تخزين المياه، وتحسين تدبير الأحواض المائية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية المشاريع الاستراتيجية المرتبطة بما أصبح يعرف بـ”الطرق السيارة للماء”، التي تقوم على نقل المياه بين الأحواض المائية وتعزيز التضامن المجالي بين المناطق التي تعرف فائضاً مائياً وتلك التي تعاني من عجز هيكلي، حيث تسمح هذه المشاريع بتحويل مياه الفيضانات خلال فترات الوفرة نحو السدود والأحواض التي تعرف خصاصاً، وتقليص التفاوت المجالي في توزيع الموارد، وتعزيز مرونة المنظومة المائية الوطنية في مواجهة التقلبات المناخية. كما يظل تدبير مخاطر السيول والفيضانات عنصراً أساسياً في السياسة المائية، من خلال إدماج البعد الهيدرولوجي في التخطيط الترابي، وتأهيل مجاري الأودية، وتعزيز أنظمة تصريف مياه الأمطار، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر. وفي هذا الإطار، تكتسي النمذجة المناخية والهيدرولوجية أهمية متزايدة في دعم اتخاذ القرار، حيث تسمح بتوقع سيناريوهات التساقطات والجفاف والفيضانات، وتحليل تطور الموارد المائية على المدى المتوسط والطويل، وتحديد المناطق الأكثر هشاشة، وتحسين تدبير السدود خلال فترات الوفرة، وتوجيه مشاريع الطرق السيارة للماء وفق توقعات علمية دقيقة. كما تتيح النماذج الرقمية المندمجة بين المناخ والهيدرولوجيا إمكانية التنبؤ المبكر بالسيول والفيضانات، وتعزيز التخطيط الاستباقي، وتحسين حكامة الموارد المائية في ظل عدم اليقين المناخي. ويؤكد هذا التحول أن الأمن المائي بالمغرب يمر اليوم عبر رؤية مندمجة تجمع بين تعبئة الموارد المائية، وتدبير الطلب، وتسريع تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، إلى جانب تطوير البنية التحتية الكبرى لنقل المياه في إطار الطرق السيارة للماء، واعتماد النمذجة المناخية كأداة استراتيجية لتوقع المخاطر وتدبير الندرة والوفرة معاً. إن تخليد اليوم العالمي للماء يشكل مناسبة للتأكيد على أن التحدي المائي بالمغرب أصبح رهانا استراتيجيا يرتبط بضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاستقرار الترابي، وأن الانتقال إلى نموذج وطني متكامل قائم على النمذجة المناخية، وتثمين مياه الفيضانات، وتسريع مشاريع نقل المياه بين الأحواض، يمثل الخيار الأمثل لبناء منظومة مائية مرنة وقادرة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان الأمن المائي للأجيال القادمة.
** د : خديجة الحبوبي














