في خضم التحولات الكبرى التي يعرفها الوعي بالهوية، تتعدد جبهات النضال وتتفاوت أدواته؛ من الشارع إلى المؤسسات، ومن الشعارات السياسية إلى المنصات الرقمية. لكنني أومن اليوم بأن أرقى درجات النضال الأمازيغي تتجسد في كتابة الرواية. إنها فعل مقاومة وجودية، وذلك للاعتبارات الآتية:
1. قيامها على جهد ذهني شاق:
الرواية ليست ومضة شعرية عابرة أو خاطرة تكتب تحت ضغط اللحظة، بل نفس ملحمي طويل يتطلب اعتكافا لشهور وسنوات، ونحتا في لغة تكتشف مساحات تعبيرية جديدة، وبناء عوالم متكاملة من العدم في صراع مرير مع الكلمة والمعنى.
2. غياب سوق استهلاكية حية:
يكتب الروائي الأمازيغي وهو يدرك ضعف مقروئية الكتاب الأمازيغي (لاعتبارات سوسيوسياسية مركبة). إنه يكتب ليتحدى النسيان ويملأ بياضات المكتبة الوطنية، دون أن يكون في توقه تحقيق أرقام مبيعات كبيرة، وهذا، لعمري، قمة التجرد والوفاء للقضية.
3. غياب الحافز المادي (مفارقة الروائي والمشتغل بالدراما):
خلافا للمبدع في مجالات المسرح أو الدراما التلفزيونية، الذي قد ينال قسطا من التعويض المادي أو الأجر مقابل إنتاجه، يجد الروائي الأمازيغي نفسه محروما من كل دعم؛ فهو ينفق من جيبه ووقت أسرته لينتج نصا لا تدعمه صناديق دعم الإنتاج (إلا على نحو محتشم)، ولا تطلبه شركات التوزيع. إنه نضال مجاني بالمعنى المادي، ومكلف جدا بالمعنى الوجودي.
4. غياب الديناميات التحفيزية:
في بيئة تفتقر إلى الجوائز الأدبية الكبرى، يتابع الروائي صناعة عوالمه التخييلية دون انتظار تتويج خارجي، سوى إيمانه بقدسية الحرف.
وإضافة إلى ما سبق، تكتسب الرواية أبعادا نضالية استراتيجية، منها:
5. إسهامها الحاسم في مأسسة الذاكرة والتاريخ:
الرواية هي الخزان الحقيقي للذاكرة الجمعية؛ فهي تمنحنا فرصة تدوين تفاصيل حيواتنا، وطقوسنا، وصراعاتنا التي قد تسقط من ثقوب التاريخ الرسمي. إنها تحول الذات الجماعية من موضوع للدراسة إلى ذات تسرد محكياتها الخاصة.
6. توفيرها أدوات ناجعة لاختبار حداثة اللغة وطاقتها:
تمثل الرواية المختبر الحقيقي لقياس قدرة اللغة الأمازيغية على اجتراح مفاهيم التحديث والحداثة، والتعبير عن أعقد القضايا الفلسفية والنفسية.
7. إسهامها في بناء الخيال الكوني:
لا شك في أن النضال الحق هو أن تجعل الآخر يتخيل بعيونك، ومن شأن الرواية الأمازيغية البديعة أن تسهم في فرض سرديتنا على الخيال الإنساني، وتحول شخوصنا وأمكنتنا من مجرد جغرافيا محلية إلى رموز كونية تتجاوز الحدود.
باختصار، إن الروائي الأمازيغي اليوم يكاد يكون «أطلس» عصره، فهو يحمل على كاهله عبء اللغة وصون الذاكرة في آن معا.
فسلام على الذين يحيكون أكاذيبنا الأمازيغية الجميلة، ليبقى صوت الأرض حيا صداحا يقاوم قوى التعرية الثقافية والسوسيولوجية الكاسحة.
** جمال ابرنوص













