إنّ الحوادث الأخيرة التي شهدتها مدينة الدار البيضاء بين مهاجرين في وضعية غير نظامية وسكان عدد من أحياء المدينة لا يمكن اختزالها في مجرد مشاحنات بين الجيران. فهي تكشف عن توتر أعمق يتمثل في الصدام المباشر بين دينامية هجرة عابرة للحدود وتدبير محلي لم يُهيكل بما يكفي لمواجهة تعقيداتها.
ما يجري اليوم في بعض الأحياء الشعبية بالدار البيضاء يعكس في جوهره اختلالاً في مستوى المعالجة. فالهجرة غير النظامية ظاهرة عابرة للدول، تتشكل بفعل سياسات أوروبية تقوم على إسناد مراقبة الحدود إلى دول_الجنوب، وبفعل شبكات العبور، والتفاوتات الجهوية، والأزمات السياسية. غير أن آثارها الملموسة تتركز في فضاءات حضرية محددة، غالبًا ما تكون أصلًا هشة اجتماعيًا. وهكذا يجد المستوى المحلي — الجماعات الترابية، الأحياء، الفاعلون الجمعويون — نفسه في الواجهة، دون أن يتوفر دائمًا على الموارد المالية والمؤسساتية والأمنية الكافية.
ينبغي تفادي القراءة التبسيطية التي تضع «المغاربة» في مواجهة «المهاجرين». فالتوترات المسجلة ترتبط أساسًا بمهاجرين في وضعية غير نظامية يعيشون هشاشة كبيرة، ويتمركزون في أحياء هامشية أو شعبية تعاني أصلًا من البطالة والاكتظاظ وضعف الخدمات العمومية، وهي عوامل تولّد ضغطًا اجتماعيًا متراكمًا. الأمر لا يتعلق فقط باختلافات ثقافية، بل بإحساس متزايد بالمنافسة على موارد محدودة: السكن غير اللائق، فرص العمل البسيطة، والفضاءات العمومية.
في هذا السياق، يتحمّل المغرب جزءًا من الكلفة المحلية لمنظومة هجرة أوروبية تهدف إلى احتواء التدفقات جنوب المتوسط. فعندما تُعرقل محاولات العبور أو تصبح أكثر صعوبة، يمكث عدد من المهاجرين لفترات أطول فوق التراب المغربي، غالبًا دون وضع قانوني واضح أو آفاق إدماج. غياب إطار مستقر لهؤلاء — لا عودة فعلية، ولا تسوية وضعية، ولا إدماج سوسيو-اقتصادي — يخلق منطقة رمادية خصبة للتوترات.
المخاطر هنا مزدوجة. فمن جهة، قد تؤدي تكرارية هذه الحوادث إلى تغذية خطاب تعميمي ووصم جماعي، يخلط بين المهاجرين النظاميين واللاجئين المعترف بهم والأشخاص في وضعية غير نظامية. ومن جهة أخرى، قد تقوّض المكاسب التي راكمها المغرب خلال العقد الأخير، سواء من خلال إصلاح السياسة الهجرية، أو حملات التسوية، أو ترسيخ صورة دولية كفاعل منخرط في حكامة هجرة أكثر إنسانية.
السؤال الجوهري يصبح إذن استراتيجيًا: كيف يمكن منع توترات محلية من التأثير على تموقع وطني بُني عبر سنوات؟ يتطلب ذلك تعزيز تدبير ترابي للهجرة، يقوم على التنسيق بين المستويين المحلي والوطني، وتفعيل آليات المواكبة الاجتماعية داخل الأحياء المعنية، وتعزيز الوساطة المجتمعية، وتوضيح الأوضاع القانونية.
من دون مقاربة مندمجة، لن يكون الخطر أمنيًا فحسب، بل سياسيًا ورمزيًا أيضًا. فاستمرار أوضاع الهشاشة لفترات طويلة يخلق شروط استقطاب اجتماعي قد يضعف الإجماع الهش حول السياسة الهجرية المغربية.
بمعنى آخر، فإن الحوادث الأخيرة ليست مجرد واقعة معزولة، بل مؤشر يستدعي الانتباه. ويبقى السؤال مطروحًا: هل سيتم التعامل معها كحالة ظرفية مرتبطة بالنظام العام، أم كإشارة إلى حاجة ملحة لإعادة ضبط هيكلي في تدبير هذا الملف المعقّد؟
بنطالب حسن













