من المواضيع التي كنا نستحضرها دوما وندافع عنها كمجتمع مدني بالحسيمة، الحق في الاستفادة من الصحة والولوج إليها، بحيث كان الاهتمام في الماضي ينحصر في العمل على تخليق هذا القطاع من سلوكيات الانحراف والفساد وتقديم الخدمات بمقابل يمنعه القانون وتجرمه المعايير الحقوقية، من قبيل الرشوة ومظاهر الريع وجميع أشكال التمييز بين المواطنين من ساكنة الاقليم .
والآن يمكن الحديث عن تغير في الوضع وانتقال نحو مرحلة جديدة، خاصة بعد إنشاء عدد من المستشفيات العمومية الكبرى التي تم إحداثها بناء على مطالب اجتماعية من شباب المنطقة وساكنتها، وبموازاة ذلك فقد لاحظنا بداية الانطلاق في بناء مؤسسات من القطاع الخاص ذات صلة بالمجال الصحي، والتي ستفتح أبوابها في المستقبل القريب، وهذا القطاع الأخير هو الذي يعرف هشاشة وضعفا ملحوظين في تراب الاقليم ..
ليبقى بيت القصيد في الوقت الراهن هو السعي المحموم نحو توفير الأطر الطبية ذات التخصصات المختلفة، موازاة مع وجود مؤسسات عصرية ذات جودة عالية ولكنها تشكو خصاصا ونزيفا في الأطر الطبية، دون أن نغفل أهمية إحداث مركز خدمات التمريض الذي يستغرق التكوين فيه ثلاث سنوات، ومعظم خريجيه من فتيات وفتيات الإقليم من الفئات الشابة، وهو مكسب ذو قيمة بالغة، نطالب تتويجه بإحداث كلية للطب ومركز استشفائي جامعي بالحسيمة، نظرا لخصوصيات الإقليم ومعاناته الكبرى مع مرض السرطان..
الموضوع الثاني يهم قطاع التربية والتعليم والتكوين، فمن يتابع البناء الهرمي للتعليم بإقليم الحسيمة منذ استقلال المغرب، والتحولات التي شهدها خلال العقود والسنوات الأخيرة، يلاحظ مدى الفرق الحاصل على مستوى المناهج والبرامج وأطر التدريس والإدارة، والبنيات المؤسساتية ذات الصلة باحتضان التلاميذ واستقبالهم، والذي تشكل بعد مسار غني بالمحطات النضالية والمطالب ذات الأفق المشترك مع قطاع التعليم والتربية في أبعاده الوطنية ..
علما أن الحسيمة المدينة استحدث فيها أول مركز للتكوين التربوي منذ النصف الثاني من عقد الثمانينات من أجل امتصاص بطالة خريجي الجامعات من أبناء المنطقة بالخصوص، بعد دخول المغرب في سياسة برنامج التقويم الهيكلي وتوالي ظروف وطنية صعبة ومعقدة عاشها المغرب
وكانت على حساب بعض القطاعات الاجتماعية الحيوية من قبيل التربية والصحة، وفي ظروف دقيقة مليئة بالتحديات والإكراهات، لكون سياسة التقويم الهيكلي كاختيار أساسي ومرحلي للحكومة المغربية في تدبيرها للشأن العام آنذاك
والذي كان يروم التقشف والحد من النفقات العمومية والتوظيف في مرافق الدولة بشكل ترقيعي، عبر مراعاة التوازنات المالية بشكل غير مسبوق ومعالجة الأزمة بالصدمات النقدية الأدائية التي لا تأخذ بعين الاعتبار مؤشرات التنمية والعدالة الاجتماعية التي تبناها المغرب بدوره بعد الاستقلال
وذلك من خلال المخططات الوطنية، والرؤية الحقوقية للأمم المتحدة ابتداء من عقد التسعينات، من خلال القطع مع النتائج الكارثية والمأساوية لبرنامج التقويم الهيكلي ..
على صعيد إقليم الحسيمة، يمكن ملاحظة وجود أطر تربوية قبل عقد الثمانينات تمثله نخبة محدودة من النساء المنحدرات في معظمهن من الإقليم، مع قاعدة عريضة من الرجال، وقد كان تكوينهم جميعا محدودا، بعد تخصصهم وتكوينهم في اللغتين العربية والاسبانية.
ولكنهم يبقون من جيل الأمهات والآباء المؤسسين لتاريخ التربية والتعليم والتكوين بالحسيمة، بعد إحداث أول نواة مدرسية لتكوين المعلمين والمعلمات بعد استقلال المغرب، قرب قاعة السينما الاسبانية القديمة في مركز المفتشية والنيابة الاقليمية للتعليم بالحسيمة حسب تعبير تلك المرحلة، والتي كان مؤطروها من المشارقة والمغاربة الريفيين، تخصص اللغة العربية..
جيل الآباء والأمهات المؤسسين لعبوا دورهم، إلى جانب وجود مدرسين من مختلف دول أوروبا الغربية والشرقية والبعثات العربية من المشرق العربي في مؤسسات التعليم الثانوي، واستمرار وجودهم كأجانب إلى حدود منتصف الثمانينات، ليتم تشتيت دفعات كبيرة من خريجي الجامعات المغربية من بنات وأبناء المنطقة بعد هذا التاريخ بين الأسلاك التعليمية في الابتدائي والثانوي، وفق رؤية لم تخل من تبعات سياسة التقويم الهيكلي المجحفة ..
وهذا النزيف تمت معالجته بعد سلسلة من التحولات الأخيرة، سواء على صعيد البنيات والمؤسسات التربوية والسياسات العمومية التي تم الشروع في انتهاجها في هذا القطاع، أو على مستوى المساواة في شواهد الولوج إلى قطاع التربية والتقاطع في محفزات المسار المهني ذات الخصائص المشتركة والموحدة ضمن مختلف الأسلاك، وهي كلها علائم مميزة لايمكننا إلا التنويه بها ..
لتظل المعضلة الكبرى في القطاع بعد سياسة الانفتاح التي عرفها، هو التفكير في إعادة النظر في القرارات التربوية التي يتم اتخاذها مع الشركاء الاجتماعيين في القطاع
فأمام كثرتهم وتعدد مؤسساتهم التمثيلية، يتم أحيانا اتخاذ قرارات تستند إلى أسس غير موضوعية، يمكنها المساس بصدقية ونبل ومكانة هذا القطاع، وتكرار بعض الصور المحبطة التي تسئ لصورة رسالة التربية والتعليم في إقليم الحسيمة
رغم أنه يحفل بالعديد من المعالم المشرقة والمضيئة في تاريخه القديم والمعاصر، صنعها الآباء المؤسسون الأوائل ومختلف الروافد الصانعة لملحمة التربية بالحسيمة الريفية من المغاربة، وكذلك الأجانب بجنسياتهم المتعددة العربية الإسلامية والأوروبية ..
** ذ : محمد المرابطي













