يرتقب في الايام القليلة القادمة ان يطرح في الاسواق الجزء الثاني من كتاب عبد الكريم من المنفى الى المنفى ، و فيه يقف مؤلف هذا الاصدار الدكتور امحمد لشقر امرابو عند مرحلة مفصلية من مسار المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي وعن هذا الاصدار يقول الدكتور لشقر :
حلمي يتحقق وبمشاعر جياشة أشارك قرائي مقتطفًا من الفصل الأخير من كتابي، الذي سيُنشر قريبًا.
في ديسمبر1962، قبيل وفاته، عارض عبد الكريم علنًا الدستور الأول الذي اقترحه الملك الحسن الثاني، معتبرًا إياه غير كافٍ لضمان سيادة شعبية حقيقية. وبهذا العمل الأخير من التحدي، أقرّ الرجل الذي عاش معظم حياته بعيدًا عن وطنه بانفصال لا رجعة فيه. أدرك أنه لن يرى المغرب مجددًا، ولن يُدفن فيه. لقد سارت حياته في المنفى، وكأن التاريخ نفسه قدّر له هذا الترحال. تقبّل الأمر بنوع من الجلال السيادي، ممزوجًا بهالة شبه صوفية.
توفي عبد الكريم في القاهرة في فبراير/شباط 1963، عن عمر يناهز الواحد والثمانين عامًا، إثر نوبة قلبية. رتّب له ناصر جنازة مهيبة تليق برئيس دولة. ودُفن في مقبرة الشهداء، غير بعيد عن الجنرال نجيب. الصورة الأخيرة لحياةٍ مأساويةٍ واستثنائية، رحلةٌ ممزقةٌ بين الكفاح والعزلة، بين الاعتراف والانفصال، كدرسٍ يُستفاد منه في الحاضر والمستقبل. كان مثالاً يُحتذى به في القتال، ونبيلاً في الهزيمة، واستقراره في مصر عام 1947 ، بعد هروبه من بورسعيد على متن السفينة التي كانت ستعيده إلى فرنسا، لم يمحوه من التاريخ، بل غيّره. في منفاه الأخير هذا، لم يعد سوى زعيمٍ سياسيٍّ سابق، يرأس لجنة تحرير شمال أفريقيا، حاملاً حتى النهاية حلم المغرب المتحرر من الاستعمار، المتجذر في تاريخه، والمنفتح على أخوة الشعوب. لكن هذا الحلم، مهما بلغت قوته، اصطدم بقسوة الواقع. بين بطء الدبلوماسية وإغراء الكفاح المسلح، سعى إلى توازنٍ مستحيل، كمن يمشي على حبلٍ مشدودٍ بين الآمال، والتنافسات، والتسويات. ثم انقلبت الأمور. جاء الاستقلال، لكنه لم يُعد إليه وطنه. لقد مزّق التاريخُ المغربَ الذي عرفه، ورفض العودة ما دامت القوات الأجنبية تطأ أرضه. “لن أعود حتى يغادر آخر جندي أجنبي المغرب”، كرّرها بإصرار وكأن هذه الكلمات وحدها كافية لدرء الانتظار. وهكذا، في منفاه وعزلة قبره، ظلّ وفيًا لعهده، ظلّ كظلٍّ هاوٍ دائم، بين ماضٍ لم يكتمل ومستقبل لم يتحقق.
بتصرف من صفحة الدكتور امحمد لشقر مرابو على الفايسبوك














