في عمق الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، حيث تمتد فيافي الطاوس ومرزوكة، وحيث الصحراء ليست فراغا بل ذاكرة وهوية ومجالا للحياة…برزت شركة سياحية استطاعت ان تتحول من فكرة محلية بسيطة، وحلم يراود شخص قد نقول عنه طفل ساعتها فوق قمة جبل بقرية أونينة…الى اسم وازن في خارطة السياحة الرياضية والاستكشافية بالمغرب.
هي شركة Ithrane Sahara مقرها جماعة الطاوس اقليم الرشيدية، وصاحبها شاب امازيغي ولد من رحم المعاناة، اسمه موحى كراوي.
لم يأت نجاح Ithrane Sahara من فراغ، ولم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج مسار طويل من الاحتكاك اليومي بالسياح، ومعرفة دقيقة بخبايا الصحراء شبرا شبرا، وتربية قاسية في مجال يعلمك الصبر والانضباط قبل اي شيء…موحى كراوي الطفل/الشاب الطموح الصبور صاحب أمل كبير يراوده، هو ابن المنطقة وكبر وترعرع بين الكثبان والفيافي و”القفار”…وقد حول ما كان يراه الكثيرون قساوة وفقر وتهميش، الى فرصة عمل وتنمية واعتزاز بالانتماء.
تشتغل شركة Itrane Sahara في مجالات متعددة، تشكل حلقة متكاملة في المنظومة السياحية بالمنطقة، من استقبال السياح عبر فندقها ithrane sahara auberge ومخيماتها السياحية المتنقلة أو الثابة ithran royal camp، الى تنظيم التظاهرات الرياضية والاستكشافية الكبرى، مرورا بكراء الدراجات الرباعية الدفع، واصلاح السيارات والدراجات، وتوفير لوجستيك دقيق في ظروف طبيعية صعبة، تتطلب خبرة ميدانية حقيقية لا تدرس في القاعات.
وخلال السنوات الاخيرة، رسخت شركة Ithrane Sahara اسمها كواحدة من الشركات الرائدة وطنيا في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، ويكفي ان نذكر اشرافها ومشاركتها في تنظيم النسخة الاربعين من الحدث العالمي Marathon des Sables، الذي احتضنته مدينة كلميم، بتجهيز كامل وطاقم شاب من الجنوب الشرقي، قادم من جماعة الطاوس، ليؤكد ان الكفاءة لا تعترف بالمركز والهامش، وان ابناء الصحراء قادرون على تدبير اكبر التظاهرات العالمية باحترافية عالية.
ولا يمكن الحديث عن شركة Ithrane Sahara دون التوقف عند الحدث الرياضي النسائي البارز Trek Elles Marchent، الذي اصبح علامة فارقة بالمنطقة، وموعدا سنويا تنتظره مئات النساء من مختلف الجنسيات…حدث رياضي انساني فريد، تحتضنه فيافي اسامر، حيث تتحول الصحراء الى فضاء للتحدي والمقاومة واكتشاف الذات.
في هذا الحدث، تظهر عبقرية التنظيم وقوة الفريق…تحويل مخيم يضم ازيد من مئتي خيمة، بكل مرافقه الصحية واللوجستيكية، من منطقة الى اخرى في ظرف لا يتعدى سبع ساعات، ثلاث مرات في الاسبوع، دون ان يترك اثرا بيئيا واحدا، هو عمل لا يقوم به الا من يعرف الصحراء ويحترمها…فرق كاملة من الشباب، تتحرك قبل بزوغ الشمس، في تناغم يشبه خلايا النحل، لتفكيك المخيم، ونقله لمسافة قد تصل اربعين كيلومترا، واعادة تركيبه بكل تفاصيله، من حمامات ومراحيض وماء ساخن وكهرباء ومطابخ، قبل وصول المشاركات.
وتصل السائحات بعد قطع مسافات طويلة مشيا على الاقدام، دون هواتف او وسائل تكنولوجية وهي قاعدة اساسية في ذات الحدث وقانونا يجب احترامه، يفيد قطع التواصل مع العالم الخارجي لأسبوع كامل، كي تعيش انت المشارك في حدث يريد به المنظمين منك قطع جميع العلاقات والتواصل بالعالم الخارجي، ولمس الصحراء وفيافيها وتعيش اللحظة بكل وجدانك…في كل لحظة دخول لمخيم الشركة تجد في انتظارك استقبال امازيغي دافئ، شاي، حلويات، ابتسامات صادقة، واحترام يترك اثرا عميقا في النفوس…كثيرات منهن المشاركات السائحات عبرن عن اندهاشهن، بل وعن دموع فرحهن، لما يلقينه من تفان ونكران ذات، جعل الصحراء مكانا آمنا دافئا وانسانيا.
ولأن النجاح الحقيقي لا يكتمل دون بعد انساني، حرصت شركة Ithrane Sahara بتعاون مع جمعيات مدنية ودولية، على المساهمة في تنظيم قوافل طبية وانشطة اجتماعية، خصوصا بقصر اجدايد جماعة الطاوس اقليم الرشيدية، والمناطق الحدودية…قوافل طبية مجانية، وفرت العلاج والدواء لساكنة تعاني من بعد المستوصفات وغياب الخدمات الصحية، في مبادرات شكلت الأمل الوحيد لكثير من الأسر، بعيدا عن الضجيج والشعارات والعدسات.
إذ تفرض تظاهرة Trek Elles Marchent على المشاركات الانخراط في عمل انساني في كل دورة، من بناء منازل لعائلات معوزة، الى تقاسم يوم كامل مع الساكنة، في طهي الطعام والعمل التقليدي، في تجربة انسانية وثقافية نادرة، تعكس فلسفة التنظيم القائمة على التبادل والاحترام، لا الإستهلاك السياحي السطحي.
وفي تصريحات سابقة، يؤكد صاحب شركة ithrane sahara السيد موحى كراوي ان فكرة Trek Elles Marchent بدأت كتجربة صغيرة بمشاركة خمس عشرة سائحة، قبل ان تتحول الى مشروع ناجح منذ اول دورة رسمية سنة 2017، يخلق اكثر من مئة فرصة شغل لشباب المنطقة، ويمدد ليالي المبيت السياحي، وينعش الاقتصاد المحلي، ويعيد الاعتبار للمناطق الحدودية المنسية.
اليوم، وبعد سنوات من العمل المتواصل، اصبحت Ithrane Sahara اكثر من مجرد شركة سياحية، بل تجربة تنموية محلية اقليمية ووطنية، عنوانها الثقة في الشباب، والوفاء للأرض، واحترام الانسان والبيئة…تجربة تستحق التوقف عندها والإشادة بها، وتوثيقها للتاريخ، كعربون شكر واحترام لشركة اختارت ان تنجح من قلب الصحراء لا أن تفر منها.
المغرب، كما تعكسه تجارب ميدانية ناجحة مثل شركة Ithrane Sahara هو بلد الأمن والأمان، حيث يشعر الزائر بالطمأنينة في قلب الصحراء كما في قلب المدن…هو بلد قادر على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية العالمية واستمرارها، باحترافية عالية وكفاءات محلية شابة.
المغرب أرض التعايش، حيث تلتقي الثقافات واللغات والهويات في احترام متبادل وإنسانية صادقة…هو بلد الترحيب، حيث تتحول الضيافة الأمازيغية المغربية إلى تجربة إنسانية لا تنسى…المغرب فضاء مفتوح للجميع، نساء ورجالا من مختلف الجنسيات والخلفيات، في أمن وسلام…إنه وطن يثبت بالفعل لا بالشعارات، أنه وطن الاستقرار والإنسان.
** حميد ايت علي ” افرزيز “














