ليست الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حدثا معزولا في سياق إقليمي مضطرب، بل هي حلقة جديدة في سلسلة متصلة من الحروب الإمبريالية التي تعيد إنتاج العنف ذاته بأدوات أكثر فتكا وبخطاب أكثر وقاحة. ما يجري ليس دفاعا عن “الأمن” كما تدعي واشنطن، ولا حماية لـ“الوجود” كما تروج تل أبيب، بل هو تعبير مكثف عن منطق الهيمنة الذي يحكم الرأسمالية المتوحشة في مرحلتها النيوليبرالية. إن التحالف العضوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يقوم فقط على المصالح العسكرية، بل على تصور استراتيجي يعتبر المنطقة مجالا حيويا لإعادة رسم الخرائط وضبط إيقاع الثروات والطاقة والممرات البحرية. وفي هذا السياق، تصبح إيران هدفا لإعادة التأديب، ليس دفاعا عن الديمقراطية المزعومة، بل لإخضاعها لمنظومة الهيمنة ذاتها، أو على الأقل تحجيم دورها بما لا يربك المعادلات الجيوسياسية التي ترعاها واشنطن.
إن الخطاب الإمبريالي الذي يشيطن إيران باعتبارها “مصدر الفوضى” يتجاهل عمدا تاريخ التدخلات الأمريكية في المنطقة، من الانقلابات المدعومة ضد الحكومات الوطنية، إلى الحروب المدمرة التي حصدت ملايين الأرواح. فكيف يمكن لقوة دعمت الاستبداد لعقود أن تدعي اليوم حرصها على حقوق الإنسان؟ وكيف لكيان قائم على الاستيطان والاحتلال والابادة أن يتحدث عن “التهديد الوجودي” وهو يمارس القتل الممنهج ضد شعب أعزل؟ إن ما يجري هو قلب فج للحقائق، حيث يتم تصوير الضحية جلادا، ويُختزل الصراع في معادلة أمنية ضيقة، بينما الحقيقة أن المنطقة بأسرها تدفع ثمن سباق الهيمنة بين قوى إقليمية ودولية لا ترى في شعوبها سوى أوراق تفاوض.
من منظورنا، لا يمكن قراءة هذا العدوان إلا في إطار صراع طبقي عالمي، حيث تسعى الرأسمالية الاحتكارية إلى تجاوز أزماتها البنيوية عبر تصدير العنف إلى الخارج. فكلما تعمقت الأزمات الاقتصادية في المراكز الإمبريالية، كلما ارتفعت أصوات الطبول الحربية. إن صناعة السلاح، التي تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الأمريكي، تحتاج إلى حروب دائمة لتصريف فائض الإنتاج، فيما تحتاج الحكومات المتورطة في أزمات داخلية إلى عدو خارجي لتوحيد الجبهة الداخلية وصرف الأنظار عن الفشل الاجتماعي. وهكذا تتحول إيران إلى شماعة تعلق عليها كل التوترات، بينما يتم تجاهل حقيقة أن عسكرة المنطقة هي نتاج مباشر للسياسات الأمريكية الإسرائيلية ذاتها.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار المحتمل، بل تداعياتها المتشعبة على مجمل الإقليم. فاستهداف إيران يعني بالضرورة إشعال جبهات متعددة، من الخليج إلى العراق ولبنان وسوريا. إن المنطقة، التي لم تتعاف بعد من آثار الحروب السابقة، تجد نفسها على حافة انفجار شامل قد يعيدها عقودا إلى الوراء. فالممرات البحرية مهددة، وأسواق الطاقة مرشحة لاضطرابات حادة، والاقتصادات الهشة ستنهار تحت وطأة ارتفاع الأسعار وانقطاع سلاسل الإمداد. أما الشعوب، فهي الخاسر الأكبر، تدفع ثمن صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
ولا يمكن تجاهل البعد الرمزي لهذا العدوان في سياق الصراع العربي الصهيوني. فإسرائيل، التي تواصل احتلال الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان، تجد في استهداف إيران فرصة لإعادة إنتاج سردية “الخطر الخارجي” وتبييض سجلها الدموي. إن العدوان على إيران يمنحها فرصة للهروب إلى الأمام، وتصدير أزمتها الداخلية إلى الخارج، خصوصا في ظل الانقسامات السياسية العميقة داخل مجتمعها. وهنا يتجلى التواطؤ الأمريكي، حيث يتم توفير الغطاء السياسي والعسكري لكل مغامرة عسكرية، مهما كانت كلفتها على استقرار المنطقة.
لكن النقد الماركسي لا يبرئ النظام الإيراني من مسؤولياته الداخلية والخارجية. فالنظام القائم في طهران ليس نموذجا للتحرر الشعبي، بل هو بدوره نظام سلطوي يوظف الصراع الخارجي لتعزيز قبضته الداخلية. غير أن رفضنا للاستبداد لا يمكن أن يتحول إلى تبرير للعدوان الإمبريالي. فالمعركة ضد الاستبداد يجب أن تكون معركة الشعوب من الداخل، لا نتيجة قصف خارجي يفتح الباب أمام الفوضى والتفكيك. إن التجارب المريرة في المنطقة تؤكد أن التدخلات العسكرية لا تنتج ديمقراطية، بل خرابا ممنهجا وتمزيقا للنسيج الاجتماعي.
إن تداعيات هذه الحرب ستطال أيضا موازين القوى الإقليمية. فتعزيز الاصطفافات الطائفية والمذهبية سيعمق الانقسامات داخل المجتمعات، ويمنح القوى الرجعية فرصة جديدة للتمدد. كما أن سباق التسلح سيتسارع، ما يعني استنزافا إضافيا للموارد التي كان يفترض أن توجه للتنمية والتعليم والصحة. وهكذا تتحول المنطقة إلى سوق مفتوحة لشركات السلاح، بينما تتآكل مقومات العيش الكريم لشعوبها. إن الإمبريالية لا تكتفي بالهيمنة العسكرية، بل تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة بما يخدم مصالحها، حتى لو كان الثمن انهيار دول بأكملها.
في هذا السياق، يصبح واجب القوى التقدمية واليسارية واضحا: فضح الطبيعة الإمبريالية لهذا العدوان، ورفض الاصطفاف وراء أي من المعسكرين المتصارعين على حساب الشعوب. إن المعركة الحقيقية ليست بين دولة وأخرى، بل بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرر. وبينما تسعى واشنطن وتل أبيب إلى فرض شرق أوسط جديد يخضع بالكامل لمنطق السوق والسلاح، يجب أن يرتفع صوت الشعوب دفاعا عن حقها في تقرير مصيرها بعيدا عن الإملاءات الخارجية.
إن التاريخ يعلمنا أن الحروب الإمبريالية، مهما بدت قوية في لحظتها، تحمل في طياتها بذور سقوطها. فالتناقضات التي تدفعها إلى العدوان هي ذاتها التي تقوض استقرارها الداخلي. غير أن هذا لا يعفي القوى الحية في المنطقة من مسؤوليتها في بناء جبهة شعبية واسعة مناهضة للحرب، قادرة على تحويل الغضب إلى فعل منظم. إن الصمت في مواجهة هذا التوحش ليس حيادا، بل تواطؤ غير مباشر مع آلة القتل.
إن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران ليس قدرا محتوما، بل نتيجة توازنات يمكن تغييرها بإرادة الشعوب. فكلما ارتفع صوت الرفض، وكلما تعزز الوعي بطبيعة الصراع، تقلصت قدرة الإمبريالية على فرض خياراتها بالقوة. إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من القنابل، بل إلى مشروع تحرري ديمقراطي يضع الإنسان في قلب المعادلة، ويكسر الحلقة الجهنمية التي تربط بين الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية. وبين همجية الحرب وأحلام التحرر، يبقى الرهان معقودا على وعي الشعوب وقدرتها على تحويل الألم إلى قوة مقاومة، تقف في وجه الإمبريالية والصهيونية وكل أشكال الاستغلال، دفاعا عن مستقبل لا تصنعه الطائرات الحربية، بل تصنعه الإرادة الشعبية المنظمة.
** ابوعلي بلمزيان













