هناك لحظات في تاريخ الأمم ،لا يكون الخطر فيها عسكرياً ولا اقتصادياً،بل أخلاقياً وثقافياً. لحظات يتآكل فيها الوعي الجماعي تحت وطأة خطاب التحريض، وتتحول الكراهية إلى ثقافة عامة، والعداوة إلى هوية، والخصومة إلى عقيدة سياسية. وعندما تبلغ العلاقات بين شعبين هذه المرحلة، يصبح الخاسر الحقيقي هو المستقبل، لا الحاضر فقط.
ذلك، في تقديري، هو ما تعيشه اليوم العلاقات المغربية الجزائرية.فما يجري لم يعد مجرد خلاف سياسي بين دولتين تختلفان حول ملفات إقليمية معقدة، بل أصبح مشروعاً متواصلاً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي على جانبي الحدود، عبر ضخ متواصل لخطابات الشيطنة، وإنتاج صور نمطية متبادلة، وتغذية مشاعر الريبة والكراهية، حتى غدا منسوب التوتر في الفضاء الرقمي أعلى بكثير من منسوبه في الواقع.
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الحرب لم تعد تدار في مراكز صناعة القرار ، بل على الشاشات الصغيرة التي يحملها الجميع في جيوبهم. فوسائل التواصل الاجتماعي، التي كان يفترض أن تكون جسوراً للحوار والتقارب، تحولت في منطقتنا إلى ساحات مفتوحة للحروب النفسية، وإلى مصانع ضخمة لإنتاج الأكاذيب والإشاعات والعداوات. فيها يختلط الخبر بالإشاعة، والحقيقة بالدعاية، والرأي بالتحريض، حتى يصبح الكذب أكثر رواجاً من الوقائع، والانفعال أكثر تأثيراً من العقل.
وفي هذا الفضاء المنفلت، يجد الذباب الإلكتروني بيئته المثالية. لا يناقش، بل يحرض. لا يبحث عن الحقيقة، بل يصنع روايات تخدم أجنداته. لا يخاطب العقول، وإنما يستثمر في الغرائز، ويحول كل حادثة فردية إلى معركة وجود، وكل تصريح عابر إلى أزمة دبلوماسية، وكل مباراة لكرة القدم إلى حرب وطنية شاملة.
لقد كان مؤلماً، مثلاً، أن تتحول قضية الطفل الأمريكي من أصول جزائرية، وسيم، إلى مادة للتعبئة السياسية والإعلامية، قبل أن تتضح كل ملابساتها بصورة قاطعة. فحتى لو ثبت وقوع اعتداء، فإن الدول الحديثة تمتلك مؤسسات للعدالة، والقانون هو الفيصل، لا المحاكمات الجماعية للشعوب، ولا تحويل الوقائع الفردية إلى اتهامات أخلاقية وسياسية بحق أمة كاملة.
غير أن منطق التعبئة لا يحتاج إلى أدلة بقدر ما يحتاج إلى إثارة المشاعر. ولذلك تتضخم الوقائع، وتُنتزع من سياقاتها، وتُوظف لإعادة إنتاج خطاب العداء، وكأن المطلوب ليس الوصول إلى الحقيقة، بل تكريس القطيعة.
ولا تنفصل هذه التعبئة عن المناخ الإقليمي المشحون، ولا عن الاستغلال السياسي الذي كثيراً ما يرافق الأزمات. فكلما اشتدت الضغوط الداخلية أو تعقدت التحديات، يصبح الخارج مادة سهلة لتغذية النزعات الشعبوية، وتوجيه الأنظار بعيداً عن الأسئلة الحقيقية المتعلقة، بالحكم والتنمية والشرعية والإصلاح.
وليس أدل على ذلك من الطريقة التي تُستثمر بها كرة القدم في منطقتنا. فاللعبة التي وُلدت لتقريب الشعوب تحولت إلى منصة لتفجير العصبيات، وإلى أداة لإنتاج وطنيات متشنجة، لا تعترف بقيمة المنافسة الرياضية، بل تنظر إلى كل مباراة باعتبارها معركة كرامة، وإلى كل خسارة بوصفها انهياراً وطنياً، وإلى كل انتصار باعتباره تفوقاً حضارياً وتاريخياً.
وحين تمتزج الرياضة بالسياسة، والدعاية بالإعلام، والشعبوية بالوطنية، يصبح التنمر على الشعوب، والطعن في الرموز الوطنية، وإطلاق الشتائم الجماعية، جزءاً من المشهد اليومي، بينما تتراجع قيم الاحترام المتبادل والأخوة وحسن الجوار.
لكن المسؤولية لا تقع على الجيوش الإلكترونية وحدها.ثمة مسؤولية أخلاقية وثقافية جسيمة تتحملها النخب في البلدين. فمن المحزن أن يشهد المغرب والجزائر هذا الانحدار الكبير في مستوى الخطاب العام، بينما يقف كثير من المثقفين والجامعيين والإعلاميين موقف المتفرج، أو يختارون الصمت، أو ينسحبون من المجال العمومي، تاركين الساحة لأصوات الرداءة والابتذال.
لقد بدا وكأن النخب استقالت من دورها التاريخي في حماية العقل الجمعي، وفي الدفاع عن الحقيقة، وفي مقاومة الشعبوية. وهكذا أصبح الأعلى صوتاً هو الأقل معرفة، والأكثر حضوراً هو الأقل مسؤولية، بينما تراجعت الكلمة الرصينة أمام ضجيج المنصات.
ولا يقل الإعلام مسؤولية عن ذلك. فبدل أن يكون سلطة للتدقيق والمساءلة، انزلقت بعض المنابر إلى منطق التعبئة، وتخلت عن مقتضيات المهنية لصالح الإثارة، وعن أخلاقيات الصحافة لصالح الاستقطاب. وأصبح جزء من المشهد الإعلامي يكرس الانقسام، لا التفاهم، ويؤجج المشاعر، بدلاً من تهدئتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعبين جارين هو أن تصبح الكراهية إرثاً تتناقله الأجيال. فالأزمات السياسية عابرة، أما التربية على العداء فتصنع ندوباً يصعب محوها.
ولهذا، فإن الواجب الأخلاقي اليوم يفرض على كل صاحب قلم، وكل مؤسسة إعلامية، وكل مثقف، وكل مؤثر، أن ينحاز إلى المستقبل لا إلى الضغائن، وإلى الجغرافيا لا إلى الأوهام، وإلى التاريخ المشترك لا إلى السرديات التي تُبنى على الانتقاء والتشويه.
قد يبدو هذا الطرح مثالياً، وربما يراه البعض ساذجاً في ظل عمق الأزمة واستمرار الخلافات الرسمية. وتعنت الجزائر بخصوص ملف الصحراء المغربية . لكن البديل أكثر خطورة؛ وهو أن نستسلم لمنطق الكراهية، وأن نسمح للذباب الإلكتروني بأن يكتب تاريخ المنطقة، وأن نترك أبناءنا يرثون حدوداً نفسية أشد قسوة من الحدود السياسية.
إن المغرب والجزائر لا يحتاجان إلى مزيد من الأصوات التي تتقن صناعة الخصومات، بل إلى رجال دولة، وإعلام مسؤول، ونخب شجاعة، تمتلك الجرأة على مواجهة موجة التحريض، حتى لو دفعت ثمن ذلك من شعبيتها.
فالأوطان العظيمة لا تُقاس بعدد خصومها، وإنما بقدرتها على إنتاج السلام. والشعوب الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى اختراع أعداء دائمين كي تثبت وجودها.
ويبقى السؤال الكبير الذي يفرض نفسه بإلحاح: كم من السنوات ينبغي أن تضيع بعد، وكم من الأجيال ينبغي أن تُشحن بالكراهية، حتى يدرك الجميع أن المستقبل لا يُبنى بالثأر، ولا بالأحقاد، ولا بالحروب الكلامية، وإنما بالشجاعة الأخلاقية التي تجعل المصالحة مع الجار انتصاراً للتاريخ، لا هزيمة للكرامة؟
إن المنطقة لا تعاني من نقص في السلاح، بل من ندرة في الحكمة. ولا تحتاج إلى المزيد من أبواق التعبئة، بل إلى أصوات تعيد الاعتبار للعقل، وللحقيقة، وللضمير.
فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلد الذين أججوا الحرائق، وإنما أولئك الذين امتلكوا شجاعة إخمادها.
د : عبد الصمد بن شريف













