في ظرفية دولية مطبوعة بالمفارقات، وفي سياق جيو-سياسي إقليمي مشحون بالتوترات، يعود دونالد ترامب ليصوغ رواية مزدوجة للأحداث في منطقةالشرق الأوسط والخليج: نبرة انتصار عسكري حاسم، يقابلها حديث متزايد عن مفاوضات “جيدة ومثمرة” على حد تعبيره مع إيران. هذا التوازي بين التصعيد والتهدئة لا يعكس فقط تكتيكًا تفاوضيًا، بل يكشف عن ارتباك أعمق في إدارة واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في العالم.
منذ بداية التصعيد، حرص ترامب على تقديم صورة “الحسم السريع”، معلنًا تدمير منصات الصواريخ الإيرانية، وإغراق عشرات السفن، والقضاء على “الصف الأول” من القيادات. خطاب يقوم على إظهار التفوق العسكري المطلق، ويستبطن رسالة واضحة: أن واشنطن قادرة على فرض إرادتها بالقوة. غير أن هذه الرواية تصطدم سريعًا بوقائع ميدانية وسياسية أكثر تعقيدًا، أبرزها استمرار تماسك النظام الإيراني، وعدم ظهور مؤشرات على انهيار داخلي أو تمرد واسع كما كان يُروَّج.
في المقابل، يفتح ترامب بابًا آخر، متحدثًا عن مفاوضات قد تُفضي إلى اتفاق خلال أيام، ومشيرًا إلى “نقاط اتفاق رئيسية” مع “مسؤول كبير” في إيران. لكن هذه الرواية بدورها تواجه نفيًا رسميًا من طهران، حيث أكدت وزارة الخارجية الإيرانية عدم إجراء أي محادثات مباشرة، ووصفت بعض التصريحات الأمريكية بأنها محاولة للتأثير على الأسواق، خاصة سوق النفط. هذا التناقض بين السرديتين يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس: هل نحن أمام مفاوضات فعلية، أم مجرد حرب نفسية وإعلامية؟
في قلب هذه الأزمة يبرز مضيق هرمز كعامل حاسم. فتهديد إيران بإغلاقه، ورد واشنطن بمهلة 48 ساعة لإعادة فتحه، كاد أن يدفع المنطقة إلى حافة انفجار شامل. فالمضيق ليس مجرد معبر إقليمي، بل شريان استراتيجي للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وهو ما بدأ يظهر بالفعل في توترات الأسواق، ما زاد من الضغط على الإدارة الأمريكية داخليًا، حيث وجد المواطن الأمريكي نفسه يدفع ثمن حرب لم تتضح ضرورتها الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الوسطاء الدوليين الذين تحركوا بسرعة لاحتواء الأزمة. فقد برزت جهود من باكستان، إلى جانب تركيا ومصر وقطر، في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، وسط حديث عن احتمال عقد لقاءات مباشرة في إسلام آباد. كما يظل الدور التقليدي لـسلطنة عمان حاضرًا، في محاولة تأمين ممرات آمنة وتخفيف حدة التصعيد. هذه الوساطات تعكس إدراكًا دوليًا بخطورة الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، وتؤكد أن موازين القوة لم تعد تُحسم فقط في الميدان، بل أيضًا في قنوات الدبلوماسية المعقدة.
غير أن أحد أبرز أوجه الإشكال في هذه الأزمة يكمن في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، وتحديدًا تأثير بنيامين نتنياهو على مسار القرار الأمريكي. فقد راهنت بعض التقديرات، المدعومة برؤى أمنية واستخباراتية، على إمكانية إسقاط النظام الإيراني بسرعة عبر ضربات مركزة وخلق حالة تمرد داخلي. لكن هذا الرهان سقط أمام واقع أكثر صلابة، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي حد يجب أن تظل السياسة الأمريكية مرهونة بأجندة الحليف الإسرائيلي؟
وفي هذا الإطار، تكتسب تصريحات نتنياهو أمام لجنة الاستخبارات في الكنيست دلالة خاصة، حين أكد أن إسرائيل تعمل على “رفع نفسها إلى مستويات غير مسبوقة، وخفض إيران إلى مستويات دنيا لم تبلغها من قبل”، في تعبير واضح عن رؤية تقوم على اختلال ميزان القوة لصالح إسرائيل، لا على تسوية متوازنة. هذا الخطاب يعكس إصرارًا على منطق الهيمنة، ويكشف في الآن ذاته عن الفجوة بين المقاربة الإسرائيلية القائمة على الحسم العسكري، وبين التحول النسبي الذي بدأ يظهر في الخطاب الأمريكي.
واللافت أن هذا التحول لم يكن مفاجئًا بالكامل لتل أبيب، إذ تشير معطيات متعددة إلى أن إسرائيل كانت على علم مسبق بوجود قنوات تواصل بين واشنطن وطهران، بل وتتابعها عن كثب. هذا الإدراك المسبق يفسر جزئيًا الحذر الإسرائيلي في التعاطي مع إعلان ترامب، ويعكس إدراكًا بأن مسار الأحداث قد لا يسير وفق الرؤية الإسرائيلية الصرفة.
إن التجربة الحالية تكشف بوضوح مخاطر وضع كل أوراق القرار في سلة واحدة. فاعتماد واشنطن المفرط على الرؤية الإسرائيلية، التي تميل إلى الحسم العسكري والحروب الممتدة، قد يجرّها إلى صراعات مفتوحة لا تخدم بالضرورة مصالحها الاستراتيجية. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لأن يعيد ترامب ضبط بوصلته، وألا يضع كل بيض سياسته في سلة إسرائيل، بل أن ينتهج مقاربة أكثر توازنًا واستقلالية، تنظر إلى بقية الفاعلين الدوليين كشركاء لا كأدوات أو خصوم دائمين.
في المقابل، يواصل نتنياهو الدفع نحو منطق القوة، مستندًا إلى عقيدة سياسية ترى في التفوق العسكري وسيلة لإعادة تشكيل المنطقة. وقد انعكس ذلك في تعدد الجبهات، وفي سياسات قاسية، سواء في لبنان أو غيره، حيث تغلب المقاربة الأمنية على أي مسار تفاوضي، رغم وجود مبادرات للحوار. هذا النهج، وإن كان يحقق مكاسب تكتيكية، فإنه يحمل في طياته مخاطر استراتيجية طويلة الأمد.
وفي خضم هذه التعقيدات، تبدو الحكومة الإسرائيلية في موقع “المراقب الحذر”، تتابع مسار المفاوضات عن كثب، وتنتظر مآلاتها النهائية قبل تحديد خياراتها القادمة. فهي، وإن كانت جزءًا من معادلة التصعيد، تدرك في الوقت ذاته أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد يعيد رسم قواعد اللعبة في المنطقة، بما يفرض عليها إعادة تموضع سياسي وأمني.
تبعالماسبق، يبدو أن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية لإعادة تعريف موازين القوة والعلاقات الدولية في الشرق الأوسط. فبين خطاب “الإبادة” وواقع “التفاوض”، يقف ترامب أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في سياسة الحافة، بكل ما تحمله من مخاطر، أو الانخراط في مراجعة عميقة تعيد الاعتبار للدبلوماسية والعقلانية السياسية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ما يجري هو تمهيد لاتفاق تاريخي، أم مجرد استراحة قصيرة في مسار تصعيد سيكون من الصعب احتواءتداعياته ونتائجه ؟
** ذ : عبد الصمد بنشريف














